فما بال النَّاس يسعون للُّقمة والثَّوب، والزوجة والولد على سنن الكون الحقَّة، ثم يريدون الدِّين والآخرة على سنن الباطل من الجاهليَّة والتقليد الأعمى، والأمانِيِّ الكاذبة، والظُّنون الغشاشة، والأوهام والخرافات الفاسدة؟! أيظنُّون أنَّ حيوانيَّتهم ودُنْياهم الفانية أَوْلَى بالحقِّ من قلوبِهم وأرواحهم، وعقولهم الإنسانية الكريمة، وآخرتِهم التي لا فناء لها ولا زوال؟!
إنَّهم والله لَمَخدوعون أشدَّ الخديعة، وإن ساعتهم لقريبة، وإنْ ظَنُّوها بغرورهم وأوهامهم بعيدة، وستنكشف عن قلوبِهم تلك الأغطية الجاهلية، ويرون ما كانوا به يكذِّبون، فيقولون:"يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" [الأنعام: 27] فيقال لهم:"أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فيه مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ" [فاطر: 37] "ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ" [الذريات: 14] "أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ" [الطور: 15] ، فيندمون ولا ينفعهم الندم.
ألا ليتهم يسمعون ويفقهون قولَ ربِّهم وإنذارَه البليغ:"وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" [الزمر: 55 - 61] .