وقوله تعالى: {قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ} معنى التقدير في الغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قَدِّر هذا الشيء بهذا، أي: اجعله على مقداره، وقدَّر الإلهُ الأقواتَ، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثم يفسر التقدير بالقضاء؛ فيقال: قضى الله عليه كذا، وقدَّره عليه؛ أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر، وقيل في معنى قدّرنا هاهنا: كتبنا، وحكى الزجاج: دبَّرنا، وقيل: قضينا، وقرأ عا صم في رواية أبي بكر: {قَدَّرْنَا} مخففًا، يقال: قدَّرت الشيء وقدْرته، قال الهذلي:
ومفْوِهَةِ عَنْسٍ قَدَرْتُ لساقِها ... فخرَّتْ كما تَتَّايَعُ الرِّيحُ بالقَفْلِ
المعنى: قَدَّرْتُ ضربتي لساقها فضربتها فخرت، ومن هذا قراءة ابن كثير {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} [الواقعة: 60] ، خفيفًا، وقراءة الكسائي
{وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 3] ، والمشددة في هذا المعنى أكثر استعمالاً، كقوله {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} [فصلت: 10] ، وقوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] .
وقوله تعالى: {إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ} في موضع مفعول التقرير، والمعنى: قضينا أنها تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون، ولا تكون ممن يسري مع لوط فينجو.
61 -قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ} قال أهل المعاني: يعني جاء لوطًا؛ كما قال في سورة هود؛ في ذكر هذه القصة: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا} [هود: 77] وآل الرجل يُذْكَر والمراد به الرجل، كما ذكرنا في قوله {مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} [البقرة: 248]
62 -وقوله تعالى: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} أي: غير معروفين؛ لأنهم أتوه على صورة رجال مرد حِسان الوجوه فلم يعرفوهم، فلم يعرفهم لوط، وذكرنا معنى الإنكار عند قوله: {نَكِرَهُمْ} [هود: 70] .