وأقول دائما: إن كلمة (على) لها عطاءاتٌ واسعة في القرآن الكريم ، فهي تترك مرة ويأتي الحق سبحانه بغيرها لتؤدي معنًى مُعيناً ؛ مثل قوله تعالى: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل} [طه: 71] .
والصَّلْب إنما يكون على جذوع النخل ؛ ولكن الحق سبحانه جاء ب (في) بدلاً من (على) ليدلَّ على أن الصَّلْبَ سيكون عنيفاً ، بحيث تتدخل الأيدي والأرجُل المَصْلوبة في جذوع النخل .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر} [الحجر: 54] .
أي: أَتُبشِّرونني بالغلام العليم مع أنِّي كبير في العمر ؛ والمفهوم أن الكِبَر والتقدُّم في العمر لا يتأتَّى معه القدرة على الإنجاب .
وهكذا تأتي"على"بمعنى"مع". أي: كيف تُبشِّرونني بالغلام مع أنِّي كبير في العمر ، وقد قال قولته هذه مُؤمِناً بقدرة الله ؛ فإبراهيم أيضاً هو الذي أورد الحق سبحانه قَوْلاً له: {الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعآء} [إبراهيم: 39] .
وكأن الكِبَر لا يتناسب مع الإنجاب ، ويأتي رَدُّ الملائكة على إبراهيم خليل الرحمن: {قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ} .
وكأن الملائكة تقول له: لسنا نحن الذين صنعنا ذلك ، ولكِنَّا نُبلغك ببشارة شاءها الله لك ؛ فلا تكُنْ من اليائسين .
ونفس القصة تكررتْ من بعد إبراهيم مع ذكريا - عليه السلام - في إنجابه ليحيى ، حين دعا زكريا رَبّه أن يهبَه غلاماً: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجعله رَبِّ رَضِيّاً} [مريم: 6] .
وجاءته البشارة بيحيى ، وقد قال زكريا لربه: {قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ أمرأتي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً} [مريم: 8] .