وإن شئت أن تعرفَ سِرَّ عطاءات الأسلوب القرآني فاقرأ قَوْل الحق سبحانه رداً على زكريا: {فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 90] .
ولم يَقُلِ الحق سبحانه أصلحناكم أنتم الاثنين ؛ وفي ذلك إشارة إلي أن العطبَ كان في الزوجة ؛ وقد أثبت العلم من بعد ذلك أن قدرة الرجل على الإخصاب لا يُحدِّدها عمر ، ولكن قدرةَ المرأة على أن تحمل مُحدّدة بعمر مُعين .
ثم إذا تأملنا قوله الحق: {وَوَهَبْنَا} [الأنبياء: 90] .
نجد أنها تُثبِت طلاقةَ قدرة الله سبحانه فيما وَهَب ؛ وفي إصلاح مَا فسد ؛ فسبحانه لا يُعْوزِه شيء ؛ قادر جَلَّ شأنه على الوَهْب ؛ وقادر على أن يُهيئَ الأسباب ليتحققَ ما يَهبه .
وهنا تقول الملائكة لإبراهيم:
{بَشَّرْنَاكَ بالحق} [الحجر: 55] أي: أنهم ليسوا المسئولين عن البشارة ، بل عن صدق البشارة ؛ ولذلك قالوا له من بعد ذلك:
{فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين} [الحجر: 55] .
ويأتي الحق سبحانه بما رَدَّ به إبراهيم عليه السلام: {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ . .} .
وهنا يعلن إبراهيم - عليه السلام - أنه لم يقنط من رحمة ربه ؛ ولكنه التعجب من طلاقة التعجب من طلاقة القدرة التي توحي بالوحدانية القادرة ، لا لذات وقوع الحَدث ؛ ولكن لكيفية الوقوع ، ففي كيفية الوقوع إعجاب فيه تأمل ، ذلك أن إبراهيم - عليه السلام - يعلم عِلْم اليقين طلاقة قدرة الله ؛ فقد سبق أن قال له: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى . .} [البقرة: 260] .
ولنلحظ أنه لم يسأله"أتحيي الموتى"، بل كان سؤاله عن الكيفية التي يُحْيى بها الله المَوْتى ؛ ولذلك لسأله الحق سبحانه: {أَوَلَمْ تُؤْمِن ...} [البقرة: 260] .
وكان رَدّ إبراهيم - عليه السلام -: {بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] .