{إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} [الحجر: 52] .
لقد جاءوا له دون أن يتعرّف عليهم ، وقدَّم لهم الطعام فرأى أيديهم لا تصل إليه ولا تقربه كما قال سبحانه: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 70] .
ذلك أن إبراهيم عليه السلام يعلم أنه إذا قَدِم ضَيْفاً وقُدِّم إليه الطعام ، ورفض أن يأكل فعلَى المرء ألاَّ يتوقع منه الخير ؛ وأن ينتظر المكاره .
وحين عَلِم أنهم قد أرسلوا إلى قوم لوط ؛ وطمأنوه بالخبر الطيب الذي أرسلهم به الله اطمأنتْ نفسه ؛ وفي ذلك تأتي الآية القادمة: {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ . .} .
هكذا طمأنت الملائكة إبراهيم عليه السلام ، وهَدَّأَتْ من رَوْعه ، وأزالتْ مخاوفه ، وقد حملوا له البشارة بأن الحق سبحانه سيرزقه بغلام سيصير إلي مرتبة أن يكون كثير العِلْم .
ويستقبل إبراهيم عليه السلام الخبر بطريقة تحمل من الاندهاش الكثيرَ ، فيقول ما ذكره الحق سبحانه: {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي . .} .
ونعلم أن الحق - سبحانه وتعالى - يخلق الخَلْق على أنحاء مُتعدّدة ؛ حتى يعلمَ المخلوق أن خَلْقه لا ضرورة أن يكونَ بطريقة محددة ؛ بل طلاقة القدرة أن يأتي المخلوق كما يشاء الله .
والشائع أن يُولَد الولد من أبٍ وأم ؛ ذكر وأنثى . أو بدون الأمرين معاً مثل آدم عليه السلام ، ثُمَّ خلق حواء من ذكر فقط ، وكما خلق عيسى من أم فقط ، وخلق محمداً صلى الله عليه وسلم من ذكرٍ وأنثى .
وفي الآية التي نحن بصددها نجد إبراهيم عليه السلام يتعجب كيف يُبشِّرونه بغلام ، وهو على هذه الدرجة من الكِبَر ، في قوله تعالى:
{على أَن مَّسَّنِيَ الكبر} [الحجر: 54] .
يعني أن"على"هنا جاءت بمعنى"مع"أي: أنه يعيش مع الكِبَر ؛ ويرى أنه من الصعب أنْ يجتمعَ الكِبَر مع القدرة على الإِنجاب .