ثم ينقلنا الحق سبحانه من بعد الحديث عن الصفات الجلالية والجمالية في الغفران والرحمة والانتقام إلي مسألة حسِّية واقعية تُوضِّح كل تلك الصفات ، فيتكلم عن إبراهيم عليه السلام ويعطيه البُشْرى ، ثم ينتقل لابن أخيه لوط فيعطيه النجاة ، ويُنزِل بأهله العقاب .
يقول الحق سبحانه:
{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) }
وكلمة (ضيف) تدلُّ على المائل لغيره لقِرَىً أو استئناس ، ويُسمونه"المُنْضوي"لأنه ينضوي إلى غيره لطلب القِرَى ، ولطلب الأمن . ومن معاني المُنْضوي أنه مالَ ناحية الضَّوْء .
وكان الكرماء من العرب من أهل السماحة ؛ لا تقتصر سماحتهم على مَنْ يطرقون بابهم ، ولكنهم يُعلِنون عن أنفسهم بالنار ليراها مَنْ يسير في الطريق ليهتدي إليهم .
وكلنا قرأنا ما قال حاتم الطائي للعبد الذي يخدمه:
أَوْقِد النارَ فإنَّ الليْلَ لَيْل قُرّ ... والريحُ يَا غُلامُ ريحُ صِرّ ... إنْ جلبت لنَا ضَيْفاً فأنت حُر ... وهكذا نعرف أصلَ كلمة انضوى . أي: تَبِع الضوء .
وكلمة (ضيف) لفظ مُفْرد يُطلَق على المفرد والمُثنَّى والجمع ، إناثاً أو ذكوراً ، فيُقال: جاءني ضيف فأكرمته ، ويقال: جاءني ضيف فأكرمتها ، ويقال: جاءني ضيف فأكرمتهما ، وجاءني ضيف فأكرمتهم ، وجاءني ضيف فأكرمتهُنَّ .
وكلُّ ذلك لأن كلمة"ضيف"قامت مقام المصدر . ولكن هناك من أهل العربية مَنْ يجمعون"ضيف"على"أضياف"؛ ويجمعون"ضيف"على"ضيوف"، أو يجمعون"ضيف"على"ضِيفان".
ولننتبه إلى أن الضيفَ إذا أُطلِق على جَمْع ؛ فمعناه أن فرداً قد جاء ومعه غيره ، وإذا جاءت جماعة ، ثم تبعتْهَا جماعة أخرى نقول: وجاءت ضيف أخرى .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نعلم أنهم ليسوا ضيفاً من الآية التي تليها ؛ التي قال فيها الحق سبحانه: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ ...} .