وإنْ تكلمتَ بكلام نثريٍّ وجِئْتَ في وسطه ببيت من الشعر ، فالذي يسمعك يُمكِنه أن يلحظ هذا الفارقَ بين الشعر والنثر . ولكن القرآن كلامُ ربٍّ قادر ؛ لذلك أنت تجد هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها وتقرؤها وكأنها بَيْتٌ من الشعر فهي موزونة مُقفَّاة:
"نَبِّيء عِبَادِي أَنِّي أنَا الغفورُ الرَّحيمُ"
ووزنها من بَحْر المُجْتث ولكنها تأتي وَسْط آيات من قبلها ومن بعدها فلا تشعر بالفارق ، ولا تشعر أنك انتقلتَ من نثرٍ إلى شعٍر ، ومن شعر إلى نثر ؛ لأن تضامن المعاني مع جمال الأسلوب يعطينا جلال التأثير المعجز ، وتلك من أسرار عظمة القرآن .
ثم يقول الحق سبحانه فيما يخص الكافرين أهل الغواية:
{وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) }
وهكذا يكتمل النبأ بالمغفرة لِمَن آمنوا ؛ والعذاب لِمَنْ كفروا ، وكانوا من أهل الغواية . ونلحظ أنه سبحانه لم يُشدِّد في تأكيد العذاب ، ذلك أن رحمته سبقتْ غضبه ، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائةَ رحمة ، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة ، وأرسل في خلَقْه كلِّهم رحمةً واحدةً ، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من الجنة ؛ ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب ؛ لم يأمن من النار".
ونلحظ أن الآيتين السابقتين يشرحهما قَوْل الحق سبحانه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب} [الرعد: 6] .
ولذلك نرى أن الآيتين قد نبَّهتا إلى مَقَامي الرجاء والخوف ، وعلى المؤمن أنْ يجمعَ بينهما ، وألاَّ يُؤجِّل العمل الصالح وتكاليف الإيمان ، وأن يستغفر من المعاصي ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يعامل الناس بالفضل لمن أخلص النية وأحسن الطوية . لذلك يقول الحديث:"لمَّا قضى الله الخَلْق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي".