فإِن قيل: إِن الأَمر بالسجود موجه إِلى الملائكة، وإِبليس ليس منهم بل هو من الجن، لقوله تعالى في سورة الكهف:"إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ". ولأنه لو كان من الملائكة لسجد، لأَنهم كما قال الله فيهم:"لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"وإِذا لم يكن من الملائكة فكيف اعتبر آثمًا مع أَن الأَمر بالسجود لا يتناوله، لأَنه خاص بالملائكة؟
وأَجيب عن ذلك بعدة أجوبة نختار منها اثنين.
أَحدهما: أَنه وإِن لم يكن من الملائكة نوعا فهو منهم إِقامة، حيث كان يقيم بينهم، فيسرى عليه ما يسرى عليهم من التكاليف، كالرجل يعيش في غير قبيلته، فتسرى عليه أَحكام القبيلة التي يعيش فيها.
ثانيهما: أَنه كان مأْمورًا بأَمر خاص به، ولم يصرح به في التكاليف ابتداءً، اكتفاءً بالإِشارة إِليه في التوبيخ صراحة على عصيانه، وذلك بقوله تعالى في سورة الأَعراف:"قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ".
(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35 ) )
المفردات:
(مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) : أَيُ سبب لك في عدم سجودك مع الملائكة. (حَمَإٍ مَسْنُونٍ) : طين أسود منتن. (رَجِيمٌ) : مطرود من كل خير، وأَصل الرجم الضربُ بالرَّجام وهي الحجارة، ثم كُنى به عن الطرد. (اللَّعْنَةَ) : أَي الإِبعاد على سبيل السخط.
التفسير
32 - (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) :
أَي قال اللهٌ لإِبليس توبيخًا له بعد امتناعه عن السجود لم: أَي سبب لك في أَن لا تكون مع الملائكة الساجدين له استجابة لأَمرى، وتعظيما لقدرتى.
33 - (قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) :