أجيب: بأنه أراد لا تلوموني على فعلكم ولوموا أنفسكم عليه ؛ لأنكم عدلتم عما توجه من هداية الله تعالى لكم. ثم قال تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال: {ما أنا بمصرخكم} ، أي: بمغيثكم فيما يخصكم من العذاب ، فأزيل صراخكم منه. {وما أنتم بمصرخي} ، أي: بمغيثيّ فيما يخصني منه. وقرأ ما عدا حمزة بفتح الياء مع التشديد ، وقرأ حمزة بكسر الياء مع التشديد على الأصل في إلتقاء الساكنين ؛ لأنّ ياء الإعراب ساكنة ، وياء المتكلم أصلها السكون ، فلما التقيا كسرت لالتقاء الساكنين.I
قال البيضاوي: وهو أصل مرفوض في مثله لما فيه من اجتماع ياءين وثلاث كسرات مع حركة ياء الإضافة اهـ. فقوله: أصل مرفوض ، أي: متروك عند النحاة ، وإلا فهو قراءة متواترة عند القراء ، فيجب المصير إليها ؛ لأنها وردت من رب العالمين على لسان سيد المرسلين.
وقول الفراء: ولعلها من وهم القراء ، فإنه قلّ من سلم منهم من الوهم ممنوع ، فقد قال أبو حيان: هي قراءة متواترة نقلها السلف ، واقتفى آثارهم فيها الخلف ، فلا يجوز أن يقال فيها: إنها خطأ أو قبيحة أو رديئة ، وقد نقل جماعة من أهل اللغة أنها لغة لكن قلّ استعمالها ، ونص قطرب على أنها لغة في بني يربوع ، ونص على أنها صواب أبو عمرو بن العلاء ، لما سئل عنها ، والقاسم بن معن من روؤساء الكوفيين. قال الله تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال: {إني كفرت بما أشركتموني من قبل} ، أي: كفرت اليوم باشراككم إياي من قبل هذا اليوم ، أي: في الدنيا كقوله تعالى: {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} (فاطر ،)
ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له ، كقوله تعالى: {إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم} (الممتحنة ،)