{يتجرّعه} ، أي: يتكلف أن يبتلعه مرّة بعد مرّة لمرارته وحرارته ونتنه {ولا يكاد يسيغه} ، أي: ولا يقدر على ابتلاعه. قال الزمخشري: دخل كاد للمبالغة يعني ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة؟ كقوله تعالى: {لم يكد يراها} (النو ،) ، أي: لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها؟ فإن قيل: كيف الجمع على هذا الوجه بين {يتجرّعه} و {لا يكاد يسيغه} ؟
أجيب بجوابين: أحدهما: أنّ المعنى ولا يسيغ جميعه كأنه يتجرّع البعض وما أساغ الجميع. والثاني: إنّ الدليل الذي ذكر إنما دل على وصول ذلك الشراب إلى جوف ذلك الكافر ؛ لأنّ ذلك ليس بإساغة ؛ لأنّ الإساغة في اللغة إجراء الشراب في الحلق واستطابة المشروب ، والكافر يتجرّع ذلك الشراب على كراهية ولا يسيغه ، أي: لا يستطيبه ولا يشربه شرباً بمرة واحدة ، وعلى هذين الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة.
الأمر الثالث: ما ذكره تعالى بقوله تعالى: {ويأتيه الموت} ، أي: أسبابه المقتضية له من أنواع العذاب {من كل مكان} ، أي: من سائر الجهات ، وقيل: من كل مكان من جسده حتى أصول شعره وإبهام رجله. {وما هو بميت} فيستريح. وقال ابن جريج: تتعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت ، ولا ترجع إلى مكان من جوفه فتنفعه الحياة.
الأمر الرابع: ما ذكره تعالى بقوله تعالى: {ومن ورائه} ، أي: ومن بين يديه بعد ذلك العذاب {عذاب غليظ} ، أي: شديد كل وقت يستقبله أشدّ مما قبله ، وقيل: هو الخلود في النار ، وقيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. ولما ذكر تعالى أنواع عذابهم بين بعده أنّ سائر أعمالهم تصير باطلة ضائعة ، وذلك هو الخسران الشديد بقوله تعالى: