يَقُولُ: جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْأُمَمَ رُسُلُهُمُ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِدُعَائِهِمْ إِلَى إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ بِالْبَيِّنَاتِ، يَعْنِي بِالْحُجَجِ الْوَاضِحَاتِ، وَالدَّلَالَاتِ الْبَيِّنَاتِ الظَّاهِرَاتِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ مِنْ مُعْجِزَاتٍ.
وَقَوْلُهُ: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَعَضُّوا عَلَى أَصَابِعِهِمْ تَغَيُّظًا عَلَيْهِمْ فِي دُعَائِهِمْ إِيَّاهُمْ مَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} فَقَرَأَ: {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} قَالَ:"وَمَعْنَى: {رَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} قَالَ:"أَدْخَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ، وَقَالَ: «إِذَا اغْتَاظَ الْإِنْسَانُ عَضَّ يَدَهُ» .
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا كِتَابَ اللَّهِ عَجِبُوا مِنْهُ، وَوَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَذَّبُوهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «رَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ وَكَذَّبُوهُمْ»
وَكَأَنَّ مُجَاهِدًا وَجَّهَ قَوْلَهُ: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} إِلَى مَعْنَى: رَدُّوا أَيَادِي اللَّهِ الَّتِي لَوْ قَبِلُوهَا كَانَتْ أَيَادِي وَنِعِمًا عِنْدَهُمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوهَا، وَوَجَّهَ قَوْلَهُ: {فِي أَفْوَاهِهِمْ} إِلَى مَعْنَى: بِأَفْوَاهِهِمْ، يَعْنِي: بِأَلْسِنَتِهِمُ الَّتِي فِي أَفْوَاهِهِمْ،
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: أَدْخَلَكَ اللَّهُ بِالْجَنَّةِ، يَعْنُونَ فِي الْجَنَّةِ، وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ:
[البحر الطويل]
وَأَرْغَبُ فِيهَا عَنْ لَقِيطٍ وَرَهْطِهِ ... وَلَكِنَّنِي عَنْ سِنْبِسٍ لَسْتُ أَرْغَبُ
يُرِيدُ: وَأَرْغَبُ فِيهَا: يَعْنِي أَرْغَبُ بِهَا عَنْ لَقِيطٍ، وَلَا أَرْغَبُ بِهَا عَنْ قَبِيلَتِي.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِ الرُّسُلِ رَدًّا عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ، وَتَكْذِيبًا لَهُمْ