(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ(35)
قلت: قال هنا: (اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ) بالتعريف، وقال في سورة البقرة: (بَلَداً) بالتنكير؟
قال البيضاوي: الفرق بينهما أن المسئول في الأول - أي: في التعريف - إزالة الخوف وتصييره أمنا، وفى الثاني جعله من البلاد الآمنة. اهـ.
وفرَّق السهيلي: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة حين نزول آية إبراهيم لأنها مكية فلذلك قال فيه: «الْبَلَدَ» بلام التعريف التي للحضور، بخلاف آية البقرة، فإنما هي مدنية، ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها، فلم يُعرفها بلام تعريف الحضور. اهـ.
قال ابن جزي: وفيه نظر لأن ذلك كان حكاية عن إبراهيم عليه السلام، وَلا فرق بين كونه بالمدينة أو بمكة. اهـ.
قلت: لا نظر فيه لأن الحق تعالى لم يحك لنا قصص الأنبياء بألفاظهم، وإنما ترجم عنها بلسان عربي، فينزل على رعاية مقتضى الحال.
ولذلك اختلفت الألفاظ في قصص الأنبياء لأن كل قصة تنزل على ما يقتضيه المقام والحال، من تعريف وتنكير، واختصار وإطناب.
وقد ذكر أبو السعود في سورة الأعراف ما يؤيد هذا، فانظره. والله تعالى أعلم.
(وَاجْنُبْنِي) واعصمني، وَبَنِيَّ من بعدي، من (أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) أي: اجعلنا منهم في جانب بعيد.
قال البيضاوي: وفيه دليل على أنَّ العصمة للأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم، وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذريته، وزعم ابن عيينة أن أولاد إسماعيل لم يعبدوا الصنم، محتجاً به، وإنما كانت لهم حجارة يدورون بها، ويسمونها الدوار، ويقولون: البيت حجر، وحيثما نصبت حجراً فهو بمنزلته. اهـ.