(ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ(14)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَوَّلًا قَوْلَهُ: (ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي) ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَخافَ وَعِيدِ) فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُغَايِرًا لِلْخَوْفِ مِنْ وَعِيدِ اللَّهِ، وَنَظِيرُهُ: أَنَّ حُبَّ اللَّهِ تَعَالَى مُغَايِرٌ لِحُبِّ ثَوَابِ اللَّهِ، وَهَذَا مَقَامٌ شَرِيفٌ عَالٍ فِي أَسْرَارِ الْحِكْمَةِ وَالتَّصْدِيقِ.
(مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ(16)
قَوْلُهُ: (مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ)
فِيهِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ: أَمَامَهُ جَهَنَّمُ، فَكَيْفَ أَطْلَقَ لَفْظَ الْوَرَاءِ عَلَى الْقُدَّامِ وَالْأَمَامِ؟
وَأَجَابُوا عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ «وَرَاءَ» اسْمٌ لِمَا يُوارَى عَنْكَ، وَقُدَّامَ وَخَلْفَ مُتَوَارٍ عَنْكَ، فَصَحَّ إِطْلَاقُ لَفْظِ «وَرَاءَ» عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ الشَّاعِرُ: عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتُ فِيهِ ... يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
وَيُقَالُ أَيْضًا: الْمَوْتُ وَرَاءَ كُلِّ أَحَدٍ.