الوجه الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي أَيْدِيَهُمْ وأَفْواهِهِمْ عَائِدًا إِلَى الْكُفَّارِ، وَعَلَى هَذَا فَفِيهِ احْتِمَالَاتٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكُفَّارَ رَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ فَعَضُّوهَا مِنَ الْغَيْظِ وَالضَّجَرِ مِنْ شِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ الرُّسُلِ وَاسْتِمَاعِ كَلَامِهِمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) [آلِ عِمْرَانَ: 119] وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ عَجِبُوا مِنْهُ وَضَحِكُوا عَلَى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ رَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ غَلَبَهُ الضَّحِكُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ مُشِيرِينَ بِذَلِكَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنْ كُفُّوا عَنْ هَذَا الْكَلَامِ وَاسْكُتُوا عَنْ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الْكَلْبِيِّ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمْ أَشَارُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَإِلَى مَا تَكَلَّمُوا بِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ، أَيْ هَذَا هُوَ الْجَوَابُ عِنْدَنَا عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا غَيْرُهُ إِقْنَاطًا لَهُمْ مِنَ التَّصْدِيقِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) .
الوجه الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرَانِ رَاجِعَيْنِ إِلَى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَفِيهِ وَجْهَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكُفَّارَ أَخَذُوا أَيْدِيَ الرُّسُلِ وَوَضَعُوهَا عَلَى أَفْوَاهِهِمْ لِيُسْكِتُوهُمْ وَيَقْطَعُوا كَلَامَهُمْ.