فَالرَّاضِي: هُوَ الَّذِي يَعُدُّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيمَا يَكْرَهُهُ، أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْهِ فِيمَا يُحِبُّهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: يَا ابْنَ آدَمَ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ فِيمَا تَكْرَهُ أَعْظَمُ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ فِيمَا تُحِبُّ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216]
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: ارْضَ عَنِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ بِكَ.
فَإِنَّهُ مَا مَنَعَكَ إِلَّا لِيُعْطِيَكَ. وَلَا ابْتَلَاكَ إِلَّا لِيُعَافِيَكَ. وَلَا أَمْرَضَكَ إِلَّا لِيَشْفِيَكَ. وَلَا أَمَاتَكَ إِلَّا لِيُحْيِيَكَ.
فَإِيَّاكَ أَنْ تُفَارِقَ الرِّضَا عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ. فَتَسْقُطَ مِنْ عَيْنِهِ.
(فصل)
وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - أَوْ غَيْرُهُ -: نَعِيمُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهِ فِي جَنْبِ نَعِيمِ الْآخِرَةِ أَقَلُّ مِنْ ذَرَّةٍ فِي جَنْبِ جِبَالِ الدُّنْيَا.
وَمَنْ حَدَّقَ عَيْنَ بَصِيرَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ.
فَكَيْفَ يَلِيقُ بِصَحِيحِ الْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ: أَنْ يَقْطَعَهُ أَمَلٌ مِنْ هَذَا الْجُزْءِ الْحَقِيرِ عَنْ نَعِيمٍ لَا يَزُولُ، وَلَا يَضْمَحِلُّ؟ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقْطَعَهُ عَنْ طَلَبِ مَنْ نِسْبَةُ هَذَا النَّعِيمِ الدَّائِمِ إِلَى نَعِيمِ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَالْأُنْسِ بِهِ، وَالْفَرَحِ بِقُرْبِهِ، كَنِسْبَةِ نَعِيمِ الدُّنْيَا إِلَى نَعِيمِ الْجَنَّةِ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72]
فَيَسِيرٌ مِنْ رِضْوَانِهِ - وَلَا يُقَالُ لَهُ يَسِيرٌ - أَكْبَرُ مِنَ الْجَنَّاتِ وَمَا فِيهَا.
وَفِي حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ «فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ - سُبْحَانَهُ - لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى شَيْءٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، حَتَّى يَتَوَارَى عَنْهُمْ» .