يعني فتح اللام الأولى ورفع الثانية فالهاء في ارفعه لهذا اللفظ فـ"إن"على قراءة الكسائي مخففة من الثقيلة مبالغة في الإخبار بشدة مكرهم كقوله: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} ؛ أي: قد كان مكرهم من كبره وعظمه يزيل ما هو مثل الجبال في الامتناع على من أراد إزالتها في ثباتها، وعلى قراءة الباقين تكون"إن"إما شرطية؛ أي: وإن كان مكرهم معادلا إزالة أشباه الجبال الرواسي وهي المعجزات والآيات فالله مجازيهم بمكر أعظم منه، وإما أن يكون"إن"نافية واللام في لتزول مؤكدة لها؛ أي: وما كان مكرهم بالذي يزيل ما هو بمنزلة الجبال وهي الشرائع ودين الله تعالى، فإن قلت على هذا: كيف يجمع بين القراءتين؟
فإن قراءة الكسائي أثبتت أن مكرهم تزول منه الجبال وقراءة غيره نفته؟
قلت: تكون الجبال في قراءة الكسائي إشارة إلى أمور عظيمة غير الإسلام ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها والجبال في قراءة الجماعة إشارة لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الدين الحق فلا تعارض حينئذ والله أعلم.
وأريد حقيقة الجبال قراءة الكسائي كما قال سبحانه في موضع آخر: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا}
وفي قراءة غيره أريد بالجبال ما سبق ذكره، ثم ذكر الناظم ياءات الإضافة وهي ثلاثة في هذه السورة: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} فتحها حفص وحده، {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ} فتحها الحرميان وأبو عمرو، {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} فتحها هؤلاء وعاصم. وملا جمع ملاءة؛ أي: خذ ذا ملاءة؛ أي: ذا حجج ووجوه مستقيمة وفيها ثلاث زوائد: {وَخَافَ وَعِيدِ} ، أثبتها في الوصل ورش وحده: {بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} أثبتها في الوصل أبو عمر وحده:"دُعَائي"، أثبتها في الوصل أبو عمرو وحمزة وورش، وأثبتها في الحالين البزي وحده، وقلت في ذلك:
دعائي بما أشركتمونِ وقوله ... وخاف وعيدي للزوائد أجملا
انتهى انتهى. {إبراز المعاني من حرز الأماني، لأبي شامة} ...