كما قال تعالى: {إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} [النجم: 10] ، وكما قيل بين المحبين سر ليس مفشية {يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ} [الرعد: 4] وهو ماء القدرة والحكمة {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ} [الرعد: 4] في الثمرات والنتائج فبعضها أشرف من بعض، وإن كان لكل واحدة منها شرف في موضعه لاحتياج الإنشاء في أثناء السلوك {إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] الذين يلتمسون من القرآن أسرار آيات تدلهم على السير إلى الله، وتهديهم إلى صراط المستقيم إليه.
{وَإِن تَعْجَبْ} [الرعد: 5] أي: تعلم أنك يا محمد لا تعجب شيئاً؛ لأنك ترى الأشياء منها ومن قدرتها، وإنك تعلم أنا على كل شيء قدير، ولكن تعجب على عباده أهل الطبيعة إذا رأوا شيئاً غير معتاد لهم أو شيئاً ينافي نظر عقولهم {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} أي: فتعجب من قولهم: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً} [الرعد: 5] أي: صرنا تراباً بعد الموت.
{أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الرعد: 5] أي: يعود تراب أجسادنا أجساداً كما كان، ويعود إليها أرواحنا فنحيى مرة أخرى، فمعنى الآية أنهم يتعجبون من قدرة الله بأن يكونوا خلقاً جديداً بعد الموت، وليس هذا تعجب من قدرة الله؛ لأن الله هو الذي خلقهم من لا شيء في البداية إذا لم تكن الأرواح والأجساد ولا التراب فلا أهون عليه أن يجعلهم من شيء وهو التراب والأرواح، ولكن العجب تعجبهم بعدأن رأوا الله خلقهم من لا شيء.