أي: أمهلتُ الذين كفروا ، والإملاء بمعنى الإمهال ليس معناه تَرْك العقوبة على الذَّنْب ، وإنما تأخير العقوبة لذنب قادم ، والمَثَل هو أن تترك مخطئاً ارتكبَ هَفْوة ؛ إلى أنْ يرتكب هَفْوة ثانية ؛ ثم ثالثة ، ثم تُنْزِل به العقاب من حيثُ لا يتوقع .
وإذا كان هذا ما يحدث في عالم البشر ؛ فما بَالُنا بقوة الحق سبحانه اللامتناهية ، وهو القائل: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182]
ويقول تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [آل عمران: 178]
تماماً مِثْلما نجد مَنْ يصنع فَخّاً لعدوه .
وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [الرعد: 32]
وكلمة: {... فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [الرعد: 32]
توضح أنه كان عقاباً صارماً ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في موقع آخر: {إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ * عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المطففين: 2936]
إذن: فلسوْفَ يَلْقَى الذين استهزءوا بالرسل العقاب الشديد .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:
{أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ ...}
ولقائل أنْ يتساءل: أَلَمْ يكُنْ من الواجب ما دام قد قال: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ...} [الرعد: 33]