أن يأتي بالمقابل ، ويقول: كمَنْ ليس قائماً على كل نفس بما كسبت؟
ولمثل هذا السائل نقول: إنها عظمة القرآن الذي يترك للعقل ما يمكن أن يستنبطه ؛ فيأتي بأشياء تتطلَّب التفكير والاستنباط ، كي يتنبَّه الإنسان أنه يستقبل كلام رَبٍّ حكيم ؛ وعليه أن يبحث فيه .
ولذلك يقول سيدنا عبد الله بن مسعود:"ثَوِّروا القرآن"أي: أثيروه ، كي تكتشفوا ما فيه من كنوز .
ونحن نعلم أن كلمة"قائم على الأمر"تعني أنه هو الذي يُدِيره ويُدبِّره ، ولا تَخْفَى عليه خافية . وجاء الحق سبحانه هنا بصيغة القيام ؛ كي نعلم أن الحق سبحانه لا يدير الأمر من حالة قعود ؛ بل يديره وهو قائم عليه ، فكل أمر هو واضح عنده غير خَفيّ .
وهو سبحانه قائم على كل نفس بما كسبتْ إن خيراً فخيْر ؛ وإنْ شراً فشرّ ، ولكنكم أيها الكافرون المشركون لا تملكون لأنفسكم ضراً ولا نَفْعاً ؛ فهل يمكن لعاقل أنْ يساوي بين الذي يقوم على أمر كل نفس ، بغيره مِمَّن ليس كذلك؟
ولكن هناك مَنْ قال فيهم الحق سبحانه في نفس الآية: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ...} [الرعد: 33]
أي: جعلوا للقائم على أمر كُلِّ نفس شركاء لا يقدر الواحد فيهم على أمر نَفْسه ؛ وبالتالي لا يقدر على أمر غيره ؛ بل قد يُصَابُ الصَّنم من هؤلاء بشَرْخ ؛ فيأتي مَنْ يعبدونه ليقوموا على أمره صارخين بأن إلههم قدْ انشرخَ ؛ ويحتاج إلى مسمارين لتثبيته ، فكيف يُسوُّونَ ذلك الصنم بالله الذي لا يحدُّه شيء ولا يحُدُّ قدرته شيء ؟
وقَوْل الحق سبحانه: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ...} [الرعد: 33]
دليل على النص المحذوف:"كمن هو غير قائم على كل نفس"، فسبحانه ليس كهذه الأصنام العاجزة ؛ لأنه سبحانه قائم على كل نفس ؛ نفسك ونفس غيرك ونفس كل إنسان عاش أو سيعيش .