الآماد ليلا ونهارا وغير ذلك، وتشاهدون طلوع الشمس والقمر والنجوم توقنون
لذلك بانقراض الأعمار ويوم الدنيا وبلقاء ربكم، ترونه كما ترون الشمس صحوًا
والقمر في كماله.
ثم أخذ جل ذكره يصف أنعمه وقدرته ومشيئته وعلمه في مقدوراته، يقول جل
قوله: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ) إلى قوله: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فيعلمون
الآخرة من الدنيا، وموجودات ما هنالك استدلالاً بموجودات ما هَاهُنَا، ويعرفون
ربهم يوم يرونه يحكم الغيب في مقدوراته بأسمائه وصفاته وآلائه وأفعاله وأحكامه
وآثاره، فيوحدونه بالإلهية ويفردونه بالمثل الأعلى.
ثم استمر جل ذكره على ذلك بقوله: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ...) فنص
بصدق قيله وله الحيلة على أنه يفعل دقيق المفعولات كما يفعل كبيرها وجليلها من
مذاقات وألوان وطعوم وروائح وأشكال، إلى غير ذلك من منافع ذلك كله ومضاره،
وعلى تصاريف ذلك وتنويعه، ثم قال جل ذكره: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
موجودات الآخرة من هذه والتوحيد.
قال: (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21) .
(وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(32) . ولا تتفكرون.
(فَهم لَا يؤمِنُونَ) إلى قوله:(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ
عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)نظم هذا بما تقدم ذكره من التعجيب من كفرهم،
وعماهم عن رؤية الآيات البينات في النور المبين، أولم ينظروا إلى مثلاته ووقائعه
فيمن كذب الرسل وصد عن السبيل؟! ولبيان ذلك أضرب عن ذكرها اعتمادًا على
التذكير قبل هذا في قوله: (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ) .
ثم قال جلَّ قوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ) كما قال جل وعز:(فَإِنَّمَا
عَلَيْكَ الْبَلَاغُ).
ثم ثنى المعنى وأرجع القول إلى ما ذكره في صدر السورة، فقال جلَّ قوله:
(اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى) إلى قوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15) . فاتصل المعنى
بالمعنى الذي تقدم.