وثنى القول على القول، ثم أخذ في الاحتجاج عليهم بما ألزم ذكره من الحق
المتضمن وقدرهم على المتفق على صحته في عرفان القلوب، فانتظم بالمعنى الذي
تقدم فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (قلِ الله) وهو قولهم كما قال جل وتعالى:
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)
ثم وقفهم على تناقضهم بقوله: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ...) .
ثم صرف وجه الخطاب إلى سواهم من أهل ملك الكفر، فكان يخاطب
بواسطة نبيه العرب الذين يتخدون الأصنام والتماثيل آلهة يقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) ظنون كاذبة وادعاءات غريبة.
يقول جل ذكره: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ) أي: ليس هؤلاء
بشركائى في ملكي (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(66)
وخرصهم هذا أصله عن مقدمة معرفة سقطت معرفتها في حقهم وبقيت فتنتها
فيهم، وذلك المعروف هو الحق المخلوق به السماوات والأرض، لم يبَقَ بأيديهم
من معرفته إلا الخرص والحدس، نصب الشيطان لهم مصائده فاتخذوا له التماثيل
وعبدوها على المشاهدة بزعمهم الإباء بما كذب الزعم.
ثُمَّ شبه المبدأ في ذلك في أخلاقهم حتى اعتمدوا عليها وألحقوها بمنزلة
الشركاء حتى قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) إلى
قوله: (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ) فكان هؤلاء في أوليتهم حال وراثتهم عن
أبيهم إبراهيم ثم إسماعيل يهدون بالحق، ثم عدلوا به غيره، فتوجه إليهم من خطابه
قوله الحق على لسان رسوله - عليه السَّلام -: (أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) إلى قوله:(أَمْ هَلْ
تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ).
قوله تعالى: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ)
عدل مخاطه رسوله عن هؤلاء إكرامًا له، لبعدهم عن الحق وعدولهم