وقوله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ...) معناه والله أعلم: إن العلم والحكمة
يطلبان عند أهليهما كما أن الذهب والفضة يطلبان في جواهرهما، شبه جل ذكره
العلم بالفضة والذهب، وشبه العلماء بالجواهر، فكما أن في الذهب والفضة تفاوتًا
بعضها أطيب من بعض كذلك العلماء بعضهم أكثر علمًا وأصفى، وكما أن في
إخراج الذهب والفضة من الأحجار مشقة كذلك العلم والحكمة في طلبهما تعب
ومشقة، وكما أن الجواهر تستخرج المنافع منها بامتحانها وإحراقها كذلك يستخرج
العلم بكثرة السؤال ومداومة الفكرة وترداد التدبر، وكما أن الذهب والفضة أفضل
من سائر الجواهر كذلك علم التفسير والدين والشريعة أفضل من سائر العلوم،
(كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) يعني والله أعلم: الاحتجاج والدلائل والقصص والأخبار.
فأما الزبد فيذهب جفاءً، يعني والله أعلم: إن طلب الأحاديث والأقاصيص
يترك ويتطلب أحكامها، لأن نفعها أعم وأكثر، وكما أن الماء وزبده ذاهب كذلك
علم الدلائل والمعرفة باقٍ، وطلب الأقاصيص ذاهب، كذلك يضرب الله الأمثال
للذين استجابوا لربهم، يعني: فيما ندبهم إليه من طلب العلوم والدلائل والدين
والذين لم يستجيبوا له فيما دعاهم إليه.
(فصل)
هو بيان وتذكير من ربنا عز جلاله، وموعظة بسر كتابه العزيز للمذكرين،
وضرب الأمثال للمعتبرين، وقسم الله الحق المطلوب فيما بينهم(وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ
يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)وهو الكتاب الحكيم، قد جعله منزله العظيم
متشابهًا مثاني، فيُثني بعضُه بعضًا تلاوة ومعنًى، وهي معانيه وآياته معنى.
يقول عز من قائل: (المر) فجمع بها ما يفرق، وأحكم فيها ما فصل، فقال
جل ذكره؛ (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) ثم ثنى جل ذكره(وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ)أي: بأنه من عند رب العالمين
أحكامه وتفصيله وتوصيله.
ثم جعل جل ذكره يسرد موجودات الكتاب المبين بقوله:(الَّذِي رَفَعَ
السَّمَاوَاتِ...)يقول جل ذكره: لعلكم إذا رأيتم انقضاء الآجال وتمام