يبذل فيها من نفسه من البحث والطلب ما يكافئ ذلك، وكما أن الذهب والفضة لا
يخرجان من الجواهر إلا بالامتحان الشديد، كذلك لا يستنبط علم بعض آي القرآن
إلا بنظر ثاقب وفكرة لطيفة.
وأما مثل النبي - صلى الله عليه وسلم -: فإن الله جل ذكره شبه إرسال النبي بالمطر ينزله من
السماء، فكما أنزل الله المطر من السماء بالملائكة كذلك أرسل الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بإرسال
جبريل إليه بالوحي، فكما أن الأرض الميتة إذا منع الله المطر عنها، ثم إذا أمطرت
صارت حية بإذن الله، فكذلك أهل الأرض أموات في الديانة حال فقدان الرسل
إليهم، وإذا أرسلوا إليهم صاروا أحياء لا يصلون إلى نفعها إلا بالغيث، وكذلك لا
يصلون إلى نفع أنفسهم في الديانة والتقرب إلى ربهم إلا بالرسل.
وأما قوله جلَّ قوله: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) أي: بقدر سعتها، شبه جل ذكره
الماء بالنبي، يعني: ما ينتفع به [وبمواعظه] كل الناس بقدر همتهم والنظر إلى دلائله،
وكما أن الماء يزيد في الوادي في السعة كذلك نفع النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأما قوله تعالى: (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا) معناه: إن السيل ظاهره زبد غير
نافع، وباطنه ماء نافع، كذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهره صورة الإنسان، وذلك غير دال على
صدقه ونبوته، وكما أن الماء الصافي تحت الزبد وإن كان ظاهره غير ماء لذلك
احتجاجه، ودلائله أدل شيء على صدقه وإن كانت صورته الظاهرة لا تدل، وإنما
ضرب الله هذا المثل، ليعلم أن ظاهر صورة الرسل لا تدل على صدقهم.
وقوله تعالى: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ...) شبه الجواهر بالنبي، وشبه
الأحجار بالخلق، ومعناه: إن الأنبياء بين الخلق كالجواهر بين الأحجار، فكما أن
الذهب والفضة كامنان في الأحجار والخبث والنخالة حائلان بينهما وبين طالبهما؛
لأن ظاهرها غير ذهب وفضة كذلك دلائل النبي باطنة في أحواله، وصورته حائلة
بينها وبين طالبها، فإذا أدخلت الجواهر في النار استخرج الذهب والفضة عنها،
كذلك إذا اعتبر بدلائله عرف بها صدقه ونبوته.
وكما أن الناظر الجاهل بالجواهر إذا اعتبر بظاهرها لم يشترها بثمنها كذلك