الباطل أهله في الآخرة، وكما ينفع الماء الصافي وما يبقى من الجواهر أهلها في
الدنيا كذلك ينفع الحق أهله في الآخرة.
مثل: قال قتادة: هذه ثلاثة أمثال في مثل واحد، فقوله جلَّ قوله:(أَنْزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)الصغير على قدره والكبير على قدره، شبه جل
ذكره نزول القرآن بالماء ينزل من السماء، وشبه جل ذكره القلوب بالأودية والأنهار،
فذو العلم على قدر علمه، وذو الجهل على قدر جهله، فهذا مثل.
ثم شبه - جلَّ جلالُه - وساوس الشيطان ومخائل النفس والخطرات الفاسدة بالزبد يعلو
الماء، فما يفع في النفس من الفضول فمن ذاتها لا من ذات الحق، يقول جل قوله:
"فكما يذهب الزبد باطلاً ويبقى صفو الماء كذلك تذهب مخائل النفس ووسواس"
الشيطان ويبقى الحق كما هو". فهذا مثل ثانٍ."
والمثل الثالث: قوله:(وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ
مِثْلُهُ)له خبث مثل زبد الماء، فكما يذهب خبث الجواهر وتبقى
خلاصتها ويبقى الحق كما هو، كذلك يذهب الجهل والوهم ويبقى العلم والفهم.
فهذا المثل الثالث.
مثل: قال غيره: هذا مثل في الشك واليقين، فيقال في الشك ما قيل في الخبث
والزبد، ويقال في الجواهر ما قيل في الحق، ويقال في العلم واليقين مثلما قيل في
الجواهر والماء الصافي.
وقال في قوله جل قوله: (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا) أي: قد يعلو الحق
الباطل ويغلبه في بعض الأحوال والأحيان، ولكن الله جل ذكره سيمحقه ويبطله
ويذهب جفاءً، ويجعل العاقبة في الحق وأهله، واشتهر من قول العرب:"جفأت"
الريح السحاب"إذا أذهبته، وأجفل الظليم في عدوه: إذا أسرع فهو أجفيل."
مثل: قال غيره: في هذه الآية مثلان مثل الله بها ثلاثة أشياء: القرآن والعلم
والنبي، فأما مثل القرآن العزيز فإن الله - جلَّ جلالُه - مثل نزول جبريل بالقرآن بنزول الملائكة
بالمطر، ومثل أيضًا القرآن بالمطر، فقال جلَّ قوله: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) يعني:
أنزل الله الملائكة من السماء بالماء، كذلك أنزل جبريل بالقرآن (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ