ثم ضرب مثلاً آخر أيضاً للحق والباطل ، فقال: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار} إلى آخر المثل: أي: والحق والباطل كمثل فضة ، أو ذهب ، أو نحاس ، يوقد عليه النس في النار ، في طلب حلية يتخذونها ، أو متاع . وذلك من النحاس: وهي الأواني التي تتخذ منه ، (و) من الرصاص والحديد فيكون له
زبداً ، مثل زبد السيل ، وزبده: خبثه الذي لا ينتفع به ، فالذي يُصَفّى من هذه الأشياء هو مثل الحق ينتفع بهما . والخبث مثل الباطل لا ينتفع بهما ، ثم بين لنا ، في أي (شيء) ضربت هذه الأمثال فقال:
{كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل} : أي: يضرب مثل الحق والباطل ، ثم حذف المضاف ."والحق": الإيمان ، و"الباطل": الكفر: وكما أن زيد السيل ، وخبث ما يوقد عليه في النار لا ينتفع به ، كذلك لا ينتفع الكافر بعمله عند حاجته إليه . وكما ينتفع بالماء ، وبما يوقد عليه في النار ، كذلك ينتفع المؤمن بإيمانه عند حاجته إليه.
وقوله: {فَيَذْهَبُ جُفَآءً} : أي: يذهب بدفع الريح ، وقذف الماء به . فيتعلق في جوانب الوادي ، وبالأشجار . وهو من: أَجْفَأتِ القدر: إذا رمت بزبدها ، وهو الغشاء: فيقول: إن الباطل ، وإن ظهر على الحق في بعض الأشياء
وعلا ، يتمحق ، ويذهب . وتكون العاقبة للحق . كما أن هذا الزبد ، وإن علا (على الماء) ، فإنه يذهب ويتمحق ، وكذلك الخبث من الحديد ، وغيره وإن علا فإنه يذهب ويتمحق ، ويطرحه الكير ، ويبقى من الماء وغيره ما ينتفع به.
كذلك يبقى الحق ويثبت"هذا (كله) معنى قول ابن عباس ، وتفسيره (رحمة الله عليه) قال:"هو مَثَلٌ ضربه الله للناس عند نزول القرآن ، فاحتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها . فأما الشك فلا ينفع معه العمل ، وأما اليقين فينتفع به.
(فالزبد) : الشك في الله ، (والذي يمكث في الأرض) : اليقين.