{وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} وما الماء ببالغ فاه، بدعوته إياه، والتقدير: إلا كاستجابة باسط كفيه، ويكون المصدر مضافًا إلى المفعول ثم حذف المضاف، الوجه الثاني من التفسير هو مذهب الكلبي وغيره، قال: كماد يده إلى الماء من مكان بعيد وهو مشرف على ذلك الماء فلا يبلغه، ولا يبلغ الماء فاه، وقال عطاء: كالرجل العطشان الجالس على شفير البئر يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر، والماء لا يرتفع إلى يده، وهذا الوجه اختيار الفراء، قال: يعني أن الأصنام لا تجيب داعيها بشيء إلا كما ينال الظمآن المشرف على ماء ليس معه ما يستقي به. فذلك قوله: {إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ} وهذا الوجه كالأوّل، إلا أن في الوجه الأوّل شبهوا بمن يدعو الماء البعيد إلى نفسه والماء لا يستجيب، وفي الوجه الثاني شبهوا بمن يمد يده إلى الماء البعيد ليناله من غير آلة.
الوجه الثالث: هو مذهب أبي عبيد وابن قتيبة، وهو أن العرب يضربون المثل لمن سعى فيما لا يدركه، وتعاطى ما لا يجد منه شيئًا، بالقابض على الماء، وذلك أن القابض على الماء لا يحصل في يده منه شيء ، المعنى لا يصير في أيديهم إذا دعوهم إلا ما يصير في يدي من قبض على الماء ليبلغ فاه، وأنشد أبو عبيدة قول ضابئ البُرْجُمِيِّ:
فإنِّي وإيَّاكم وشَوْقًا إليْكُم ... كقابِضِ ماءٍ تَسْتقِيه أنَامِلُه
قال أبو عبيدة: تسقه: تجبه.
وقال ابن الأنباري: يجمعه ويسقه يحمله، وأنشد أيضًا:
فأصْبَحْتُ مِمّا كان بَيْني وبَيْنَها ... من الوُدِّ مِثْلَ القَابِضِ المَاءِ باليَدِ
قال ابن قتيبة: وهذا من الاختصار؛ لأن التقدير: إلا كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه، أو قابضًا عليه ليبلغ فاه.