ثم ضرب الله تعالى مثلاً للحق والباطل ، لأن العرب كانت عادتهم أنهم يوضحون الكلام بالمثل ، وقد أنزل الله تعالى القرآن بلغة العرب ، فأوضح لهم الحق من الباطل بالمثل فقال: {أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء} يعني: المطر {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} يعني: سال في الوادي الكبير بقدره ، وفي الوادي الصغير بقدره ، فشبه القرآن بالمطر ، وشبه القلوب بالأودية ، وشبه الهدى بالسيل {فاحتمل السيل زَبَدًا رَّابِيًا} يعني: عالياً على الماء.
فشبه الزبد بالباطل يعني: احتملته القلوب على قدر أهوائها باطلاً كبيراً.
فكما أن السيل يجمع كل قدر ، كذلك الأهواء تحتمل الباطل ، وكما أن الزبد لا وزن له ، فكذلك الباطل لا ثواب له.
فذلك قوله: {فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَاء} يعني: يذهب كما جاء.
ويقال: {جُفَاء} أي سريعاً.
وقال مقاتل: {جُفَاء} أي يابساً ، فلا ينتفع به ، ويقذفه السيل.
وقال القتبي: الجفاء ما رمى به الوادي في جنباته.
ويقال: جفأت القدر بزبدها إذا ألقيته عنها {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِى الأرض} يعني: يبقى الماء الصافي.
فكذلك الإيمان واليقين ينتفع به أهله في الآخرة ، كما ينتفع بالماء الصافي في الدنيا.
والباطل ، لا ينتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ثم ضرب مثلاً آخر بالذهب والفضة ، فقال تعالى: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النار} من الذهب والفضة {ابتغاء حِلْيَةٍ} يعني: النحاس {حِلْيَةٍ} تلبسونها.
يخرج منها الخبث ، ويبقى الذهب والفضة خالصاً.
ثم ضرب مثلاً آخر فقال: {أَوْ متاع زَبَدٌ مّثْلُهُ} يعني: النحاس ، والحديد ، والصفر يزول عنها الخبث ، ويبقى الصفر والحديد خالصاً ، فيتخذ منها المتاع.
فهذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد ، كما يضمحل هذا الزبد ، ويبقى خالص الماء ، وخالص الذهب ، والفضة ، والحديد ، والصفر ، فكذلك يضمحل الباطل عن أهله.