الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنِ امْتَنَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ للَّهِ شُرَكَاءَ مِنْ إِفْرَادِ الطَّاعَةِ وَالْإِخْلَاصِ بِالْعِبَادَةِ لَهُ، فَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ طَوْعًا، فَأَمَّا الْكَافِرُونَ بِهِ فَإِنَّهُمْ يَسْجُدُونَ لَهُ كَرْهًا حِينَ يُكْرَهُونَ عَلَى السُّجُودِ.
عَنْ سُفْيَانَ قَالَ:"كَانَ رَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ إِذَا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: «بَلَى يَا رَبَّاهُ» "
وَقَوْلُهُ: {وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}
يَقُولُ: وَيَسْجُدُ أَيْضًا ظِلَالُ كُلُّ مَنْ سَجَدَ للَّهِ طَوْعًا وَكَرْهًا بِالْغَدَوَاتِ وَالْعَشَايَا، وَذَلِكَ أَنَّ ظِلَّ كُلَّ شَخَصٍ فَإِنَّهُ يَفِيءُ بِالْعَشِيِّ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءِ يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ}
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"ذُكِرَ أَنَّ ظِلَالَ الْأَشْيَاءِ كُلَّهَا تَسْجُدُ لَهُ، وَقَرَأَ: {سُجَّدًا للَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} قَالَ: تِلْكَ الظِّلَالُ تَسْجُدُ للَّهِ"
وَالْآصَالُ: جَمْعُ أُصُلٍ، وَالْأُصُلُ: جَمْعُ أَصِيلٍ، وَالْأَصِيلُ: هُوَ الْعَشِيُّ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
[البحر الطويل]
لَعَمْرِي لَأَنْتَ الْبَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ ... وَأَقْعُدُ فِي أَفْيَائِهِ بِالْأَصَائِلِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) }