تلوهم كاليابانيين على أكمل الوجوه، وزاد على ذلك بيان أسباب السعادة الآخرة،
ولكن المسلمين انسلُّوا مما أرشد إليه الدين من أسباب السعادة كاستقلال الإرادة
والرأي، وتطهير النفس من أدران الخرافات وصدأ الأوهام وصقلها بصقال الحجة
والبرهان في جميع ما تأخذ به، وإطلاق العقل من قيوده وتسريحه في عوالم
الطبيعة علويها وسفليها؛ ليبحث عن حقائقها وينتفع بها، فإن الله ما قال: وَسَخَّرَ
لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ (الجاثية: 13) إلا ليرشدنا إلى
هذا - انسلوا من هذه الإرشادات كلها باسم الدين، وتبع هذا فساد الأخلاق والأعمال،
فلا غرو إذا قال القائلون: إن الدين هو الذي حال بينهم وبين الترقي، فإنهم يرون
أن دين الناس ما هم عليه، وبيّنا هناك أيضًا أن دين الإسلام هو دين الفطرة"أي"
الخليقة والطبيعة"وأنه بيّن في القرآن سنته في هلاك الأمم بمثل قوله: وَلَقَدْ"
أَهْلَكْنَا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا (يونس: 13) وقوله: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن
نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً(الإسراء
: 16)وبيّن سنته في نجاة الأمم وحفظها من الهلاك بمثل قوله: وَمَا كَانَ رَبُّكَ
لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (هود: 117) والمراد بالظلم هنا الشرك
خاصة؛ فإن من أشرك ظلم نفسه وفي الآية الأولى ما يعم الجور في الأحكام
والأعمال نص. على ذلك المفسرون، وبه يرتفع التناقض، فقد بيّن أن المصلح لا
يهلك وإن كان مشركًا، وبيّن في آيات أخرى أن الصلاح والإصلاح سبب إرث
الأرض، وأن الله لا يصلح عمل المفسدين، وكل شيء فصلناه تفصيلاً.
فالقرآن بجملته حجة على المنتسبين للإسلام بأنهم على غير الحق الذي جاءهم
به، بل إن تعريف الدين عندهم بأنه سائق إلى النجاح في الحال والفلاح في المآل.
حجة عليهم فإنهم غير ناجحين، وأما الأمم الناجحة المرتقية فإنها أخذت بأسباب
الترقي الدنيوي التي أرشد إليها القرآن من طبيعية وشرعية، ولكن لا على أنها من