بالمشاهدة والاختبار أو البراهين القطعية كالبراهين الرياضية على الكسوف
والخسوف، وكثير من مسائل الهيئة الفلكية وغيرها، ولا يطلقون اسم العلم في
هذا العصر إلا على ما ثبت بالتجربة والاختبار العملي.
واليقيني من مسائل الدين هو ماثبت بنصوص القرآن والسنة المتواترة
كأصول الاعتقاد والأركان الخمسة، وسائر المجمع عليه المعلوم من الدين
بالضرورة، فهذه المسائل اليقينية لا ينافي شرعيها طبيعيها أبدًا، ومتى نافى
قطعي من قسم منها ظنيًّا من القسم الآخر يترك الظني للقطعي إلا إذا أمكن الجمع
بينهما، وإذا تعارضت الظنيات نرجح الشرعي علي غيره.
علمنا أن الشريعة والطبيعة كليهما حق من الله تعالى، والحق لا تكون آثاره
ونتائجه إلا صالحة وثابتة بثباته، والباطل لا يكون إلا مضطربًا ومتزعزعًا،
وآثاره تفنى بفنائه وتزول بزواله، فإذا تصارع الحق والباطل لا يلبث الحق أن
يصرع الباطل: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (الأنبياء:
18)، وفي الزبور الذي في أيدي أهل الكتاب ما مثاله أن الذي تكون مسرته
وغبطته في الناموس الإلهي ينجح في عامة أعماله، ويكون كالشجرة عند مجاري
المياه تثمر في أوانها ولا يذبل ورقها، وأما الأشرار فهم كهشيم تذروه الرياح لا
يثبت لهم في طريق الدين قدم؛ لأن الرب يعلم طريق الأبرار، أما طريق الأشرار
فتهلك.
والأمثال على هذا في القرآن كثيرة، ومن أبلغها وأظهرها الآيات التي
افتتحنا بها هذه المقالة، ثبات الحق وزهوق الباطل ثابت في الطبيعة كما هو ثابت
في الشريعة ويسميه الحكماء الذين اهتدوا إليه (الانتخاب الطبيعي) يعنون أن
طبيعة الوجود تقتضي بقاء الأصلح الأنفع في الكون وتلاشي ما سواه.
والأصلح في الطبيعة ما كان جاريًا على سننها ومندرجًا تحت نواميسها،
والأصلح في الأمور الشرعية ما كان موافقًا لأصول الدين وقواعده وأحكامه من
حيث إنها هادية للأرواح في شؤونها الروحية ومصالحها الاجتماعية، فيمكننا على
هذا أن نستدل من الشريعة والطبيعة معًا على أن الأمة المخذولة المهضومة الحقوق
المغلوبة على أمرها لا بد أن تكون على الباطل، أي زائغة عن صراط الشريعة