فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 237655 من 466147

وتقتضيه خلقته، ولكنه جعل بين أفراده تباينًا في هذه المدركات تتباين بها مقاصدهم

وأعمالهم، والمباينة والتفرق في هذا هما منشأ اختلال المصالح الاجتماعية، فمن ثم

كان في أشد الحاجة إلى هداية رابعة تقرب المتباين وتجمع المتفرق، وقد منح الله

الإنسان هذه الحاجة بالشريعة، ومقاصد الشريعة وأسسها: (1) الاستدلال بالطبيعة

عامة على موجدها ومبدعها، وما اتصف به من صفات الكمال , و (2) تقويم

الطبيعة الإنسانية بتهذيب أخلاقها وترويضها بضروب من العبادات؛ ليسهل على

الإنسان الوقوف في تصرفه بالطبيعة العامة على صراط الاعتدال , و (3) تحديد

الحقوق والواجبات وبيان أحكام العمل بها , و (4) تبشير من وقف من الأمم عند

الحدود بالسعادة في الدنيا ووعده بالمثوبة في الآخرة، وإنذار من تعداها بالشقاء

العاجل، ووعيده بالانتقام الآجل، فالعلم بالطبيعة مرتبط بالعلم بالشريعة , يكمُل

بكماله وينقُص بنقصه، فمن لا يعرف الكون ونظامه وطباع البشر وقواهم

العقلية والجسدية، وارتباط بعضهم ببعض، وما وصلوا إليه من العلم بطبيعة الكون

وكيفية تصرفهم فيه على وفق مصالحهم ومنافعهم - لا يمكنه أن يعرف مقاصد

الشريعة، وكيف يؤخذ الناس - أو يأخذون بها - وهذا الأمر واضح بنفسه وإن

ضل عنه كثير من المنتمين إلى علم الدين، المتوهمين أن شرع الله يعرف

بالاستنباط من ألفاظ المؤلفين، وكمال العلم به يكون بالجهل بالخليقة وأحوال الخلق

أجمعين.

نتيجة هذا كله أنه يجب أن لا يكون في الدين والشريعة شيء مخالف لما في

الخلق والطبيعة؛ لأن كلاًّ من عند الله وحاشا أن يصدر عن تلك الذات العلية

التناقض والاختلال، وأي أمر ينافي الكمال، وما عساه يوجد في الكتب الدينية أو

يجري على ألسنة رجال الدين من قول يذم علوم الخليقة أو يرمي إلى بطلانها، أو

ينهى عن تعلمها - فهو من الناس لا من الله، ألصقوه بالدين لشبهٍ عرضت لهم

أكثرها لفظية أو لمحض الجهل، على أنه يوجد في كتب العلوم الطبيعية مثلما يوجد

في كتب العلوم الشرعية من الأقوال والآراء المبنية علي الظن والخرص.

واليقيني من مسائل العلوم الطبيعية، وما يلحق بها هو ما ثبت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت