ويعالج ما يخرج من باطن الأرض من خام الفلزات بالتركيز، فكان مُعَدِّنو الأزمان الغابرة حينما يستخرجون الأحجار الحاملة للذهب يطحنون ذلك الحجر، ويذرون تراب"المعدن"لاستخراج الذهب منه، وكما جاء في الكتابات القديمة كان يقال: ذريت تراب المعدن وطلبت ذهبه، وكانوا يضعون ما يحصلون عليه من الذهب"الذي أزيلت عنه معظم شوائبه"في"التنور"، ثم يجعلونه في"الكوج"لينقي الذهب عما تبقى من شوائبه ويصير خالصًا.
هذه هي أسس علم استخلاص الفلزات في أبسط صورها، ذلك العلم الذي نما مع الحضارات التالية، وأصبح حاليًا يتم على مرحلتين:
المرحلة الأولى: هي معالجة الخام Ore dressing بتركيزه وتهيئته بالمعالجة للخطوة التالية.
والمرحلة التالية: هي استخلاص الفلزات من مركباتها وأملاحها بعد تركيزها، باستخدام النار في معظم الأحيان، وتعرف بعلم الميتاليرجي Metallurgy.
وقد أنزل الله قرآنا في هذا الشأن، فضرب لنا مثلا بليغًا يخاطب العقل والمنطق، ويقابل بين أشياء ملموسة في حياة الناس ويستخلص منها العبرة.
{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17] .
فهناك زبد، والزبد في اللغة أصلًا زبد الجمل، وهو لُغَامُه الأبيض الذي تتلطخ به مشافره إذا هاج، وتستعار ظاهرة الزبد في وصف ما يحدث للبحر إذا هاج، وفي وصف ما يحتمله سيل الوادي على سطح مائه، وفي وصف ما يحتمله صهير الفلز على سطحه.