"أول ما يأكله أهل الجنة زيادة كبد حوت يأكل منه سبعون ألفاً"بتنكير لفظ حوت ، ونظير ذلك في صحيح مسلم حيث ذكر فيه أنه تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفأها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة وان أدامهم ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً ، وذكر حال الأرض فيه لا يعين مراد الخصم فإنه يجوز أن يكون الجمع بين ذلك للإشارة إلى خراب الدنيا وانقطاع أمر الاستعداد للمعاش وانصرام الحياة العنصرية المائية أما الإشارة إلى الأول فظاهر ، وأما إلى الثاني فبالاستيلاء على الثور وأكل زائدة كبده فإنه عمدة عدة الحارث المهتم لأمر معاشه وفي الخبر"كلكم حارث وكلكم همام"وأما الإشارة إلى الثالث فبالاستيلاء على الحوت وأكل زائدة كبده أيضاً فإنه حيوان عنصري مائي لا يمكن أن يحيا سويعة إذا فارق الماء ، وبهذا يظهر المناسبة التامة بين ما اشتمل عليه الخبر ، ولا يبعد أن يكون ظهور الحياة الدنيوية بصورة الحوت وما يحتاج إليه فيها من أسباب الحراثة الضرورية في أمر المعاش بصورة الثور وكل الصيد في جوف الفرا ، ويكون ذلك من قبيل ظهور الموت في صورة الكبش إلا ملح في ذلك اليوم ، وقال بعض العارفين في سر تخصيص الكبد: إنه بيت الدم وهو بيت الحياة ومنه تقع قسمتها في البدن إلى القلب وغيره ، وبخار ذلك الدم هو النفس المعبر عنه بالروح الحيواني ففي كونه طعاماً لأهل الجنة بشارة بأنهم أحياء لا يموتون.
وذكر أنه يستخرج من الثور الطحال وهو في الحيوان بمنزلة الأوساخ في البدن فإنه يجتمع فيه أوساخ البدن مما يعطيه البدن من الدم الفاسد فيعطي لأهل النار يأكلونه ، وكان ذلك من الثور لأنه بارد يابس كطبع الموت ، وجهنم على صورة جاموس والغذاء لأهل النار من طحاله أشد مناسبة منه فلما فيه من الدمية لا يموت أهل النار ولما أنه من أوساخ البدن ومن الدم الفاسد المؤلم لا يحيون ولا ينعمون فما يزيدهم أكله إلا مرضاً وسقماً.