{وَنُفَضّلُ} مع تآخذ أسبابِ التشابه بمحض قدرتِنا واختيارنا {بَعْضَهَا على بَعْضٍ} آخرَ منها {فِى الأكل} فيما يحصُل منها من الثمر والطعْمِ، وقرئ بالياء على بناء الفاعل رداً على يدبّر ويفصّلُ ويغشي، وعلى بناء المفعول وفيه ما لا يخفى من الفخامة والدلالة على أن عدمَ احتمال استنادِ الفعل إلى فاعل آخرَ مغنٍ عن بناء الفعل للفاعل {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الذي فُصّل من أحوال القِطع والجنات {لاَيَاتٍ} كثيرةً عظيمةً ظاهرة {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يعلمون على قضية عقولِهم، فإن من عقَل هذه الأحوالَ العجيبةَ لا يتلعثم في الجزم بأن من قدَر على إبداع هذه البدائعِ وخلقَ تلك الثمارَ المختلفة في الأشكال والألوان والطعومِ والروائحِ في تلك القِطع المتباينةِ المتجاورةِ وجعَلَها حدائقَ ذاتَ بهجةٍ قادرٌ على إعادة ما أبداه بل هي أهونُ في القياس وهذه الأحوالُ وإن كانت هي الآياتِ أنفسَها لا أنها فيها إلا أنه قد جُرّدت عنها أمثالُها مبالغةً في كونها آيةً (ففي) تجريديةٌ مثلها في قوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ} أو المشارُ إليه الأحوالُ الكلية والآياتُ أفرادُها الحادثةُ شيئاً فشيئاً في الأزمنة وآحادُها الواقعةُ في الأقطار والأمكنةِ المشاهدة لأهلها (ففي) على معناها وحيث كانت دلالةُ هذه الأحوالِ على مدلولاتها أظهرَ مما سبق علق كونُها آياتٍ بمحض التعقّل ولذلك لم يتعرض لغير تفضيل بعضِها على بعض في الأكُل الظاهرِ لكل عاقلٍ مع تحقق ذلك في الخواصّ والكيفيات مما يتوقع العثورُ عليه على نوع تأملٍ وتفكر كأنه لا حاجة في ذلك إلى التفكر أيضاً وفيه تعريضٌ بأن المشركين غيرُ عاقلين. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 5 صـ}