ثم إن الضرب الأول وهو الذي يدرك بالعيان من آيات (اللوح) المحفوظ المتضمن لكل من الضربين، قال تعالى: (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود: 6) ، وإذا قلنا إن الإشارة إلى اللوح إنما يريد ما يستدل به ويعتبر مما نصب تعالى من الآيات الدالة على عجائب من مضمناته، إذ لولا نصب تلك الدلائل ووضوح الاعتبار بها لما أطلعنا عليه، وبلغ بحسب ما قدر الوصول إليه من مضمنه، إذ هو محتو على كل شيء ، قال تعالى: (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (النمل: 75) ، وتتباين أحوال المعتبرين، فعلى هذا يفهم المراد من قولنا: (إن الإشارة بقوله) : (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) إلى اللوح المحفوظ، وهو مراد من قال بذلك في سورة البقرة من المفسرين وسورة النمل، ومن قال به أيضاً في سورة الرعد وهو الظاهر فيها، وقوله: (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) (الرعد: 1) ، إشارة إلى الضرب الثاني وهو ما طريق تعرفه الخبر الصادق وذلك أخبار الأمم مع أنبيائهم على ما تقدم وما نبينه بعد، وهذا الضرب موصل أيضاً إلى المقصود، إلا أنه لا يوصل إليه إلا من جهة الخبر وإن كان من مضمن ما في اللوح المحفوظ، وإذا وضح هذا التفصيل لم يبق إشكال في فهم ما تقدم من أن الإشارة بقوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) إلى غير ما أشير مما عطف عليه من قوله: (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) وقوله في الحجر: (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) (الحجر: 1) ، وكذلك الوارد في النمل وإن خالف في التقديم والتأخير لقوله فيها: