عَقْرب القَوْس جَدْي دَلْو وحُوت ... مَا عَرفْنَا مِنْ أُمةِ السُّرْيَانِ
ويتابع الحق سبحانه في نفس الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {... يُدَبِّرُ الأمر يُفَصِّلُ الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]
وسبحانه قد أوضح من أول الآية مسألة رَفْع السماوات بغير عَمَدٍ ، واستوائه على العرش ، وتسخير الشمس والقمر ، وكيف يجري كُلُّ شيء لأجل مُسمّى .
وكُلُّ ذلك يتطلب تدبيراً للأمر بعد أن أبرز القدرة ؛ ثم يصون ذلك كله ، فكما قَدَّر فخلق ، فهو يُدبِّر بقيوميته ، فهو القائم على كل شيء ، وسبحانه كل يوم هو في شَأْن .
وأقول هذا المثل لأوضح لا لأُشبِّه فسبحانه مُنَزَّه عن التشبيه ونحن نقول: فلان فكَّر أولاً ثم دبَّر ، والتفكير هو العملية التي تبحث فيها عن الشيء لإخراج المطلوب منه ؛ كأن تأتي بقليل من حبوب القمح لتفركه بيدك لتخرج القمحة من قشرته .
هذا هو التفكير الذي يطلب منك أن تبحث وتُنقِّب إلى أن تصل إلى لُبِّ الأشياء .
والتدبُّر يقتضي ألاَّ تقتنع بما هداك إليه فكرك في نفس اللحظة ، ولكن أن تُمحِّص الأمر لترى ماذا سينتج عن تنفيذ ما وصل إليه فكرك؟
فربما ما فكرتَ فيه يُسعِفك ويُعينك في لحظتِكَ الحالية ؛ لكنه سيأتي لك بعَطَبٍ بعد قليل .
والمَثَلُ الذي أضربه على مثل هذه الحالة دائماً هو اختراع المُبيدات الحشرية ؛ ولم يَفْطِنوا إلى أن هذه المبيدات لا تقتل الحشرات الضارة وحدها ، بل تُسمِّم الطيور التي كانت تفيد الفلاح .
ووصل الأمر إلى حَدِّ تحريم استخدام هذه المبيدات ؛ وجاء هذا التحريم ممن تفاخروا من قَبْل على كل شعوب الأرض باختراعهم لتلك المبيدات ، فقد فَطِنوا إلى أنَّ ما جاءهم من خَير عن طريق تلك المبيدات هو أقلُّ بكثير من الضُّرِّ الذي وقع بسببها .