وهذا يعني أنهم لم يتدبروا اختراعهم لتلك المبيدات ؛ فقاموا بتصنيعها لفائدة عاجلة ، دون أن يتلفتوا إلى الخطورة الآجلة ، وكان لابُدَّ لهم أن يتدبروا الأمر ، لأن التدبُّر معناه النظر في دُبُر الأشياء .
والحق سبحانه هو القائل: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} [محمد: 24]
أي: لا تنظر إلى واجهة الآية فقط ، بل انظر في أعماقها ، ولذلك يقول لنا سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"ثَوِّروا القرآن".
أي: استخرجوا منه الكنوز بالتدبُّر ؛ لأن التدبر يحمي من حماقة التفكير ، والمثل البسيط المتكرر في بيوتنا هو أننا نغسل أفواهنا بعد تناول الطعام ونتمضمض مِمَّا بَقِي في الفم من بقايا .
ونجد من بين هذه البقايا بعضاً من"الفتافيت الصلبة بعض الشيء"، ثم نغسل حوض المياه بتيار متدفق من ماء الصنبور ، ونُفَاجأ بعد فترة من الزمن بانسداد ماسورة الصرف الخاصة بالحوض ؛ وحين يفتح السباك ماسورة الصرف هذه يجدها مليئة برواسب من بقايا الأطعمة .
وأنت حين تمضمضتَ لم تلتفت إلا لنظافة الفَمِ من البقايا ، ولم تتدبر أمر تلك البقايا ، ولو أنك تدبرتَ ذلك لَقُمْتَ بتركيب ماسورة صرف للحوض أكبر من الماسورة التقليدية الضيقة ؛ ولَجعلْتَ صندوق الطرد الخاص بالحوض أكبر من الحجم المعتاد والمُجهَّز لصرف المياه فقط .
وهكذا نرى أن الفكر يحثُّك على أن تبحث عن مطلوب لك ؛ ولكن عليك أن تنظر وتُدقِّق: هل يحقق لك ما يقترحه عليك فكرك ؛ ما يفيدك أم ما يضرك؟
هذا هو التدبُّر ، وهو ما نُسمِّيه صيانة الأشياء .
ويتابع الحق سبحانه في نفس الآية: {... يُفَصِّلُ الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]