وهذه قضية هي أهمُّ قضية كلامية ناقشها علماء الكلام ؛ قضية الاستواء والعرش ، وحتى نفهم أيَّ قضية لابُدَّ أن نُحلِّل ألفاظها لنتفقَ على معانيها ، ثم نبحثها جملة واحدة ، لكن أن نجلس لنتجادل ونحن غير مُتوارِدين ومتفقين على فَهْم واحد ؛ فهذا أمرٌ لا يليق .
ولننظر الآن معنى"الاستواء"ومعنى"العرش"، ونحن حين نستقرئ كلمة"استوى"في القرآن نجدها قد وردتْ في آيات متعددة .
وجاءت مرّة واحدة بمعنى الاستواء أي: النضج ، في قول الحق سبحانه: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واستوى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ...} [القصص: 14]
أي: أنه قد بلغ نُضْجه الكماليّ ، ويستطيع أن يكون رجلاً صالحاً لممارسة ما يُبقِي نوعه ، وإنْ تزوج فسلوف يُنجِب مثله ؛ وهذا استواء لمخلوق هو الإنسان .
ومرة أخرى يقول القرآن: {ذُو مِرَّةٍ فاستوى * وَهُوَ بالأفق الأعلى} [النجم: 6 - 7]
والمعنى هنا هو: صعد ؛ والمقصود هو صعود محمد وجبريل عليهما السلام إلى الأفق الأعلى .
وهناك قوله الحق: {ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ...} [البقرة: 29]
أي: أنه سبحانه قد استوى إلى السماء ؛ وإياك أن تظن أن استواءه سبحانه إلى السماء مساو لاستواء البشر ؛ لأننا قلنا من قبل: إن كل شيء بالنسبة لله إنما نأخذه في إطار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...} [الشورى: 11]
وبذلك يكون استواؤه سبحانه إلى السماء هو استواء يليق بذاته ، والاستواء المطلق شيء مختلف عن الاستواء على العرش .
وهكذا نجد استواءً لغير الله من إنسان ؛ وهناك استواء لغير الله من إنسان ومن ملك ؛ وهناك استواء من الله إلى غير العرش . وبجانب ذلك هناك استواء على العرش .
وقد وردَ الاستواء على العرش في سبعة مواقع بالقرآن ؛ في: سورة الأعراف ؛ وسورة يوسف ؛ والرعد ، وطه ، والفرقان ، والسجدة ، والحديد .