* قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُتَجاوِراتٌ) أَيْ قُرًى مُتَدَانِيَاتٌ، تُرَابُهَا وَاحِدٌ، وَمَاؤُهَا وَاحِدٌ، وَفِيهَا زُرُوعٌ وَجَنَّاتٌ، ثُمَّ تَتَفَاوَتُ فِي الثِّمَارِ وَالتَّمْرِ، فَيَكُونُ الْبَعْضُ حُلْوًا، وَالْبَعْضُ حَامِضًا، وَالْغُصْنُ الْوَاحِدُ مِنَ الشَّجَرَةِ قَدْ يَخْتَلِفُ الثَّمَرُ فِيهِ مِنَ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَاللَّوْنِ وَالْمَطْعَمِ، وَإِنِ انْبَسَطَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ عَلَى الْجَمِيعِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، وَفِي هَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَعِظَمِ صَمَدِيَّتِهِ، وَالْإِرْشَادُ لِمَنْ ضَلَّ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، فَإِنَّهُ نَبَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ) عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْسَ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَأَنَّهُ مَقْدُورٌ بِقُدْرَتِهِ، وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى بُطْلَانِ الْقَوْلِ بِالطَّبْعِ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالْفَاعِلُ لَهُ الطَّبِيعَةُ لَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ.
وَقِيلَ: وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ أَنَّهُ أَثْبَتَ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْبِقَاعِ، فَمِنْ تُرْبَةٍ عَذْبَةٍ، وَمِنْ تُرْبَةٍ سَبِخَةٍ مَعَ تَجَاوُرِهِمَا، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ دَلَالَاتِ كَمَالِ قُدْرَتِهِ، جَلَّ وَعَزَّ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ علوا كبيرا.
* قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ) كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَخَبِيثِهِمْ، أَبُوهُمْ وَاحِدٌ، قَالَهُ النَّحَّاسُ وَالْبُخَارِيُّ.
وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ: (يُسْقى) بِالْيَاءِ، أَيْ يُسْقَى ذَلِكَ كُلُّهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، لِقَوْلِهِ: (جَنَّاتٌ) وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، قال أبو عمرو: والتأنيث أحسن، لقوله: (وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) وَلَمْ يَقُلْ بَعْضَهُ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا (وَيُفَضِّلُ) بالياء ردا على قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) و (يُفَصِّلُ) و (يُغْشِي) الْبَاقُونَ بِالنُّونِ عَلَى مَعْنَى: وَنَحْنُ نُفَضِّلُ.