«فَإِنْ قِيلَ» : الْأَحْزَابُ يُنْكِرُونَ كُلَّ الْقُرْآنِ؟
قُلْنَا: الْأَحْزَابُ لَا يُنْكِرُونَ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ إِثْبَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِثْبَاتُ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَأَقَاصِيصِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَحْزَابُ، مَا كَانُوا يُنْكِرُونَ كُلَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ(37)
قَوْلُهُ: (أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا) فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: حِكْمَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُتَرْجَمَةٌ بِلِسَانِ الْعَرَبِ.
الثَّانِي: الْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ أَقْسَامِ التَّكَالِيفِ، فَالحكم لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ، فَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ سَبَبًا لِلْحُكْمِ جُعِلَ نَفْسَ الحكم عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ بِقَبُولِ الْقُرْآنِ وَالْعَمَلِ بِهِ فَلَمَّا حَكَمَ عَلَى الْخَلْقِ بِوُجُوبِ قَبُولِهِ جَعَلَهُ حُكْمًا.
(وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ(42)
يَعْنِي أَنَّ كُفَّارَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ قَدْ مَكَرُوا بِرُسُلِهِمْ وأنبيائهم مثل نمرود مَكَرَ بِإِبْرَاهِيمَ، وَفِرْعَوْنَ مَكَرَ بِمُوسَى، وَالْيَهُودِ مَكَرُوا بِعِيسَى.
ثم قال: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا)