إن هذه القضايا لا تعرض عرضا جدليا باردا يقال في كلمات وينتهي كأية قضية ذهنية باردة إنما تعرض وحولها إطار ، هو هذا الكون كله بكل ما فيه من عجائب هي براهين هذه القضايا وآياتها في الإدراك البشري البصير المفتوح . وهذه العجائب لا تنفذ ؛ ولا تبلى جدتها . لأنها تنكشف كل يوم عن جديد يصل إليه الإدراك ، وما كشف منها من قبل يبدو جديدا في ضوء الجديد الذي يكشف ! ومن ثم تبقى تلك القضايا حية في مهرجان العجائب الكونية التي لا تنفد ولا تبلى جدتها !
وهذه السورة تطوف بالقلب البشري في مجالات وآفاق وآماد وأعماق ؛ وتعرض عليه الكون كله في شتى مجالاته الأخاذة:في السماوات المرفوعة بغير عمد . وفي الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى . وفي الليل يغشاه النهار . وفي الأرض الممدودة وما فيها من رواس نابتة وأنهار جارية ، وجنات وزرع ونخيل مختلف الأشكال والطعوم والألوان ، ينبت في قطع من الأرض متجاورات ويسقى بماء واحد . وفي البرق يخيف ويطمع ، والرعد يسبح ويحمد ، والملائكة تخاف وتخشع ، والصواعق يصيب بها من يشاء ، والسحاب الثقال والمطر في الوديان ، والزبد الذي يذهب جفاء ، ليبقى في الأرض ما ينفع الناس .
وهي تلاحق ذلك القلب أينما توجه:تلاحقه بعلم الله النافذ الكاشف الشامل ، يلم بالشارد والوارد ، والمستخفي والسارب ، ويتعقب كل حي ويحصي عليه الخواطر والخوالج .
والغيب المكنون الذي لا تدركه الظنون ، مكشوفا لعلم الله ، وما تحمل كل أنثى ، وما تغيض الأرحام وما تزداد .
إنها تقرب لمدارك البشر شيئا من حقيقة القوة الكبرى المحيطة بالكون ظاهره وخافيه ، جليله ودقيقه ، حاضره وغيبه . وهذا القدر الذي يمكن لمدارك البشر تصوره هائل مخيف ، ترجف له القلوب .