عليك أحسن القصص"إلى قوله:"وخروا له سجدا"وجاءت على الطريقة المختصرة في قوله على لسان يوسف:"يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي"فذكر تعالى القصة أولا على طريق البسط مفصلة لمن لم يشارك في طريق علمها وذكرها تعالى أخيرا مختصرة ليعلمها مفصلة من لم يكن يعلمها حتى إذا جاءت مجملة علم الإشارات فيها وابتدأها بقوله"نحن نقص عليك أحسن القصص"ثم أنهاها بقوله"لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"ووجه الاعتبار بقصصهم هو أن هذه القصص انما سجلت لحصول العبرة منها ومعرفة الحكمة والمغزى."
2 -اختلاف صيغة اللفظة:
وفي قوله تعالى"لأولي الألباب"فن يطلق عليه القدامى الاسم الآنف الذكر وهو من البيان بمثابة القلب من الإنسان وهو يدق إلا على من صفت قرائحهم واستغزرت ملكة الفصاحة فيهم ونعني باختلاف صيغة اللفظة نقلها من هيئة إلى هيئة كنقلها من وزن إلى وزن آخر أو نقلها من صيغة الاسم إلى صيغة الفعل أو بالعكس أو كنقلها من الماضي إلى المستقبل أو بالعكس أو من الواحد إلى التثنية أو الجمع أو إلى النسب إلى غير ذلك انتقل قبحها فصار حسنا وحسنها فصار قبحا وسنورد أمثلة مترتبة على نسق الترتيب الذي أوردناه فمن نقل اللفظة من صيغة إلى أخرى لفظة"خود"عبارة عن المرأة الناعمة وإذا نقلت إلى صيغة الفعل قيل خوّد على وزن فعّل ومعناها أسرع يقال: خوّد البعير إذا أسرع فهي على صيغة الاسم حسنة رائعة وإذا جاءت على صيغة الفعل
لم تكن مستحسنة كقول أبي تمام من قصيدة له يمدح فيها أحمد ابن عبد الكريم:
وإلى بني عبد الكريم تواهقت رتك النعام رأى الظلام فخودا
فهي ثقيلة سمجة كما ترى على أن ثقلها وسماجتها يخفان عند ما تنقل من الحقيقة إلى المجاز كقول رجل من بني أسد: