{قَالَتَا لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص: 23] .
وهكذا نعلم أن خروج المرأة له علة أن الأب شيخ كبير ، وأن خروج المرأتين لم يكن بغرض المزاحمة على الماء ، ولكن بسبب الضرورة ، وانتظرتا إلى أن يسقي الرعاة ، بل ظلَّتا محتجبتين بعيداً ؛ لذلك تقدم موسى عليه السلام ليمارس مهمة الرجل:
{فسقى لَهُمَا} [القصص: 24] .
وهذه خصوصية المجتمع الإيماني العام ، لا خصوصية قوم ، ولا خصوصية قربى ، ولا خصوصية أهل ، بل خصوصية المجتمع الإيماني العام .
فساعة يرى الإنسان امرأة قد خرجت إلى العمل ، فيعرف أن هناك ضرورة ألجأتها إلى ذلك ، فيقضي الرجل المسلم لها حاجتها .
وأذكر حين ذهبت إلى مكة في عام 1950م أن نزل صديقي من سيارته أمام باب منزلٍ ، وكان يوجد أمام الباب لوح من الخشب عليه أرغفة من العجين التي لم تخبز بعد ، وذهب به إلى المخبز ، ثم عاد به بعد خبزه إلى نفس الباب . وقال لي: إن هذه هي عادة أهل مكة ، إن وجد إنسان لوحاً من العجين غير المخبوز ؛ فعليه أن يفعل ذلك ؛ لأن وجود هذا اللوح أمام الباب إنما يعني أن الرجل رب البيت غائب .
وهذا كله مأخوذ من كلمة:
{فسقى لَهُمَا} [القصص: 24] .
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأمر الجنود أن تدق الأبواب لتسأل أهل البيوت عن حاجاتهم .
والأمر الثالث والمهم هو أن المرأة التي تخرج إلى مهمة عليها ألا تستمرئ ذلك ، بل تأخذها على قدر الضرورة ، فإذا وجدت منفذاً لهذه الضرورة ، فعليها أن تسارع إلى هذا المنفذ ، ولذلك قالت الفتاة لأبيها شعيب:
{يا أبت استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26] .
ويُنهي شعيب عليه السلام هذا الموقف إنهاءً إيمانياً حكيماً حازماً ، فيقول لموسى: