فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، فَخَصَّ بِالْأَخْذِ النَّاصِيَةَ دُونَ سَائِرِ أَمَاكِنِ الْجَسَدِ؟
قِيلَ: لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ فِي وَصْفِهَا مَنْ وَصَفَتْهُ بِالذِّلَّةِ وَالْخُضُوعِ، فَتَقُولُ: مَا نَاصِيَةُ فُلَانٌ إِلَّا بِيَدِ فُلَانٍ، أَيْ أَنَّهُ لَهُ مُطِيعٌ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ شَاءَ؛ وَكَانُوا إِذَا أَسَرُوا الْأَسِيرَ فَأَرَادُوا إِطْلَاقَهُ وَالْمَنِّ عَلَيْهِ جَزُّوا نَاصِيَتَهُ لِيَعْتَدُّوا بِذَلِكَ عَلَيْهِ فَخْرًا عِنْدَ الْمُفَاخَرَةِ. فَخَاطَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا يَعْرِفُونَ فِي كَلَامِهِمْ،
وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْتُ وَقَوْلُهُ: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
يَقُولُ: إِنَّ رَبِّي عَلَى طَرِيقٍ الْحَقِّ، يُجَازِي الْمُحْسِنَ مِنْ خَلْقِهِ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ، لَا يَظْلِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ شَيْئًا، وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ بِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ: {فَإِنْ تَوَلَّوْا}
يَقُولُ: فَإِنْ أَدْبَرُوا مُعْرِضِينَ عَمَّا أَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَتَرْكِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ} أَيُّهَا الْقَوْمُ {مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا
الْبَلَاغُ {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} يُهْلِكُكُمْ رَبِّي، ثُمَّ يَسْتَبْدِلُ رَبِّي مِنْكُمْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ يُوَحِّدُونَهُ وَيُخْلِصُونَ لَهُ الْعِبَادَةَ {وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا}
يَقُولُ: وَلَا تَقْدُرُونَ لَهُ عَلَى ضَرٍّ إِذَا أَرَادَ إِهْلَاكَكُمْ أَوْ أَهْلَكَكُمْ.
وَقَدْ قِيلَ: لَا يَضُرُّهُ هَلَاكُكُمْ إِذَا أَهْلَكَكُمْ لَا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا، لِأَنَّهُ سَوَاءٌ عِنْدَهُ كُنْتُمْ أَوْ لَمْ تَكُونُوا {إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}
يَقُولُ: إِنَّ رَبِّي عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ ذُو حِفْظٍ وَعِلْمٍ، يَقُولُ: هُوَ الَّذِي يَحْفَظْنِي مِنْ أَنْ تَنَالُونِي بِسُوءٍ.