أخطأت، فسكت ساعة، وقال: لا يستحق. فقال له: أخطأت. فذهب أبو يوسف إلى أبي حنيفة فقال له: لعلك جاء بك مسألة القصار؟ فقال: نعم.
فقال: ينبغي لك أن تفصل فتقول: إن قصره بعد الجحد لا يستحق، لأنه قصر لنفسه، أو قبل الجحد، استحق أنه قصره لربه.
قال: وقاله الشافعي، ومقتضى أصولنا أن له الآخرة مطلقا.
ثم ذكر ما يدل على ذلك، انظرها في كتاب الإجارة».
الثانية: حملها على الإحداث في الدين، والتغيير لمعالم حدوده، استعجالا لنيل حظوظ الدنيا، فروى الشيخ أبو عمر عن وهب بن منبه قال:
«كان في بني إسرائيل رجال أحداث الأسنان قد قرأوا الكتب، وعلموا علما، وأنهم طلبوا بقراءتهم وعلمهم الشرف والمال، وأنهم ابتدعوا بدعا أدركوا بها المال والشرف في الدنيا، فضلوا وأضلوا» اهـ.
وهذا وإن كان يعرض من حب الطلب لها على الجملة قبل الاستحقاق وبعده، كما أشار إليه أبو العتاهية بقوله:
أأخيّ من عشق الرّياسة خفت أن ... يطغى ويحدث بدعة وضلالا
ولكن عروضه للمستعجل بها أقرب، ووصف هؤلاء بحداثة السن، مقتض لطلب الرتبة قبل وقتها.
الثالثة: حملها على بغض العلوم، ومعاداة أهلها، لما يعلم من قصوره عن كمال الاستحقاق لها، فيظهر الكفاية بما عنده، ولا يحمل من الكملاء أن يعلموا بنقصه فيعاديهم لا محالة، وينفر من ذل التعلم بعد ما توهمه عزا بالرياسة، وشرفا بأحواز الرتبة، وذلك موجب لبقائه مرتبكا في ظلمات الجهالة وفي ذلك يقول الشيخ أبو عمر فيما ينسب إليه:
«حب الرياسة داء بخلق الدنيا ... ويجعل الحب حربا للمحبّينا
يفري الحلاقم والأرحام يقطعها ... فلا مروءة يبقي لا، ولا دينا
من ساد بالجهل، أو قبل الرسوخ فلا ... تلقاه إلا عدوا للمحقينا
يشنأ العلوم ويقلي أهلها حسدا ... ضاهى بذلك أعداء النّبئينا»
وعلى ذكر هذه الأبيات فقد قال منصور الفقيه في غرضها من التحذير عن طلب هذه الرياسة:
«الكلب أكرم عشرة ... وهو النهاية في الخساسه
ممن تعرض للريا ... سة قبل إبان الرياسه»
وقال بشر بن المعتمر المتكلم:
إن كنت تعلم ما أقو ... ل وما تقول فأنت عالم
أو كنت تجهل ذا وذا ... ك فكن لأهل العلم لازم
أهل الرياسة من ينا ... زعهم رياستهم فظالم
لا تطلبن رياسة ... بالجهل أنت لها مخاصم
لولا مقامهم رأي ... ت الدين مضطرب الدعائم»