فأجاب بقوله {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} فلا تخلف لمشيئة الله بخلود الكافر، لأنه متى أراد شيئاً حصل ولا بد، وما قيل إن وعيده قد يتخلف، فالمراد وعيد العاصي لا وعيد الكافر.
{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}
قوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُو} هذا مقابل قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ} [هود: 106]
وفي هذه الآية من المحسنات البديعية، الجمع والتفريق والتقسيم، فالجمع في قوله:
{يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [هود: 105] والتفريق في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] ، والتقسيم في قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ} [هود: 106] إلخ {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ} إلخ.
قوله: (بفتح السين وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالفتح من قولهم: سعد الرجل بمعنى قامت به السعادة، والضم في قولهم: سعده الله أي أسعده، فالأول قاصر، والثاني متعد، والمعنى: إن الذين سبقت لهم السعادة من الله بموتهم على الإيمان، وإن سبق منهم الكفر في الدنيا، فهم في الجنة، والمراد بالسعادة رضا الله على العبد، وعلامة ذلك أن يكون العبد محباً لربه، ساعياً في مرضاته، دائم الإقبال على طاعته، راضياً بأحكامه.
قوله: {فَفِي الْجَنَّةِ} المراد بها دار النعيم بجميع دورها، فشمل جنة الفردوس وغيرها.
قوله: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} أي مدة دوامهما في الدنيا، والمعنى قدر مكث السماوات والأرض، من أول الدنيا إلى آخرها.
قوله: (كما تقدم) أي فيقال غير ما شاء ربك من الزيادة التي لا منتهى لها، فالمعنى خالدين فيها أبداً، ويدل ذلك على قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [النساء: 75] فالزيادة التي شاءها الله، فسرت في آيات أخر بالخلود المؤبد، قوله: (ودلّ عليه) أي على الخلود المؤبد، وقوله: (فيهم) أي السعداء.
قوله: {عَطَآءً} مفعول مطلق لفعل محذوف وتقديره أعطاهم ذلك العطاء، وعطاء اسم مصدر أعطى، والمصدر إعطاء.
قوله: (مقطوع) أي ولا ممنوع، بل هو عطاء دائم، لا يزول ولا يحول.