قوله: (هو الذي ظهر) أي من نحو عشرين وجهاً في تفسير تلك الآية، منها أن المراد بالسماوات والأرض سقف الجنة والنار وأرضهما، ويحتمل الاستثناء في جانب أهل الشقاوة على عصاة الأمة فيكون المعنى خالدين فيها أبداً، إلا عصاة المؤمنين الذين نفذ فيهم الوعيد، فلا يخلدون أبداً، بل يخرجون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، والاستثناء حينئذ، إما منقطع لعد دخول هؤلاء في الأشقياء، أو متصل بحعل هؤلاء أشقياء باعتبار، وسعداء باعتبار آخر، وفي جانب أهل السعادة على عصاة المؤمنين أيضاً، لكن باعتبار تعذيبهم أولاً، فيتأخرون في الدخول مع السابقين، فتحصل أن الاستثناء في كل محمول على العصاة، لكن في جانب أهل الشقاوة مستثنون من الخلود، وفي جانب أهل السعادة مستثنون من المبدأ. كأنه قال: فأما الذين سعدوا ففي الجنة من أول الأمر، إلا ما شاء ربك من العصاة، فليسوا في الجنة من أول الأمر، بل هم في النار يعذبون ثم يخرجون. ومنها: أن المراد بالذين شقوا الكفار، وبالذين سعدوا المؤمنون، والاستثناء باعتبار أن بعض الكفار، قد ينقل من النار إلى غيرها كالزمهرير، وبعض المؤمنين قد ينقل من النعيم، فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، إلى أعلى منه، وهو رؤية وجه الله الكريم ومخاطبته، ومنها: أن الاستثناء راجع لمدة تأخرهم عن دخول الجنة والنار، كمدة الدنيا والبرزخ، لأنهم لم يدخلوها حين خلقوا سعداء وأشقياء.
ومنها غير ذلك.
وما تقدم من أن نعيم الجنان وعذاب النار دائم، هو ما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ووراء ذلك أقوال يجب تأويلها، والأخذ بظاهرها كفر، فمنها ما قيل إن الجنة والنار يتقضيان بدليل ظاهر هذه الآية، ومنها أن أهل النار تنقلب عليهم النار نعيماً، حتى لو صب عليهم ماء الجنة يتأذون، ومنها أن النار تخرب حتى لا يصير فيها أحد، ومنها غير ذلك، وهذه الأقوال باطلة، ونسبتها لمحيي الدين بن العربي كذب، وعلى فرض صحة نقلها عنه يجب تأويلها. انتهى انتهى {حاشية الصاوي على الجلالين} ...