أجيب: بأنَّ التقدير: وما إهلاكهم بشيء بعيد، وأيضاً يجوز أن يسوى في قريب وبعيد وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودهما على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما انتهى.
{قَالُواْ ياشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ}
«فَإِنْ قِيلَ» : إنه كان يخاطبهم بلسانهم فلم قالوا {مَا نَفْقَهُ} ؟
أجيب: بأنهم كانوا لا يلقون إليه أذهانهم لشدّة نفرتهم عن كلامه وهو قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} أو أنهم فهموه ولكنهم ما أقاموا له وزناً، فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة، كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.
{سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ}
«فَإِنْ قِيلَ» : لم لم يقل فسوف تعلمون؟
أجيب: بأنَّ إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، وأمّا حذف الفاء فيجعله جواباً عن سؤال مقدّر وهو المسمى في علم البيان بالاستئناف البياني، تقديره إنه لما قال: {وَياقَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ} فكأنهم قالوا: فماذا يكون بعد ذلك فقال: سوف تعلمون، فظهر أن حذف حرف الفاء هاهنا أكمل في بيان الفصاحة والتهويل؛ لأنه استئناف.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم جاءت قصة عاد وقصة مدين بالواو وقصة صالح ولوط بالفاء؟
أجيب: بأنَّ قصة عاد ومدين لم يسبقهما ذكر وعد يجري مجرى السبب له بخلاف قصتي صالح ولوط فإنهما ذكرا بعد الوعد وذلك قوله تعالى: {وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} وقوله: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} فلذلك جاءا بفاء السببية.
{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}
إلى النار كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال أو كما تقدم قومه في الدنيا فأدخلهم البحر وأغرقهم فكذا يتقدمهم في القيامة فيدخلهم النار كما قال تعالى: {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} .