وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل، فذلك أنه قدم النداء على الأمر: ف {قيل يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي} ولم يقل (ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء) جرياً على مقتضى اللازم فيمن كان مأموراً حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصداً بذلك لمعنى الترسيخ، ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء وابتدأ به لابتداء الطوفان منها، ثم اتبع {وغيض الماء} لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها، ثم ذكر ما هو المقصود القصة وهو قوله {وقضي الأمر} أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء نوح ومن معه في الفلك وعلى هذا فاعتبر.
ومن جهة الفصاحة المعنوية وهي كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشيّك الطريق إلى المرتاد ومن جهة الفصاحة اللفظية، فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة، سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة، عذبة على العذبات، سلسة على الأسَلات، كل منها كالماء في السلاسة، وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة، ومن ثم أطبق المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية، ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر، ولا تظنن الآية مقصورة على المذكور فلعل المتروك أكثر من المسطور.
(قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ...(46)
وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب وأن نسيبك في دينك وإن كان حبشياً وكنت قرشياً لصيقك، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمسّ أقاربك رحماً فهو أبعد بعيد منك، وجعلت ذاته عملاً غير صالح مبالغة في ذمه كقولها: (فإنما هي إقبال وإدبار) أو التقدير: إنه ذو عمل، وفيه إشعار بأنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم لا لأنهم أهله، وهذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوته. {عمِل غير صالح} عليّ.