فأدناها من رؤوسهم فَاشْتَوَتْ أَيْدِيهِمْ، وَتَدَلَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَطَشِ، وَمَاتَ كُلُّ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْبَهَائِمِ.
وَجَعَلَ الْمَاءُ يَتَفَوَّرُ مِنْ تِلْكَ الْعُيُونِ مِنْ غَلَيَانِهِ حَتَّى يَبْلُغَ السَّمَاءَ، لَا يَسْقُطُ على شيء إِلَّا أَهْلَكَهُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ أَلَّا يَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ تَعْذِيبًا لَهُمْ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَصِيحَ بِهِمْ فَأُهْلِكُوا.
(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أَيْ سَاقِطِينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، قَدْ لَصِقُوا بالتراب كالطير إذ جَثَمَتْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ)
ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ قَائِمَةٌ بِحَيْثُ تَرَى الْمَلَائِكَةَ.
قِيلَ: كَانَتْ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ.
وَقِيلَ كَانَتْ تخدم الملائكة وهو جالس.
وقال محمد ابن إسحاق: قَائِمَةٌ تُصَلِّي.
وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ قَاعِدٌ) .
التَّاسِعَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَضَحِكَتْ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: حَاضَتْ، وَكَانَتْ آيِسَةٌ، تَحْقِيقًا لِلْبِشَارَةِ، وَأَنْشَدَ عَلَى ذَلِكَ اللُّغَوِيُّونَ:
وَإِنِّي لَآتِي الْعِرْسَ عِنْدَ طُهُورِهَا ... وَأَهْجُرُهَا يَوْمًا إِذَا تَكُ ضَاحِكَا
وَقَالَ آخَرُ:
وَضِحْكُ الْأَرَانِبِ فَوْقَ الصَّفَا ... كَمِثْلِ دَمِ الْجَوْفِ يَوْمَ اللِّقَا
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الْأَرْنَبُ إِذَا حَاضَتْ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعِكْرِمَةَ، أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَحِكَتِ الْكَافُورَةُ - وَهِيَ قِشْرَةُ الطَّلْعَةِ - إِذَا انْشَقَّتْ.
وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنَى حَاضَتْ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ الضَّحِكُ الْمَعْرُوفُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هُوَ ضَحِكُ التَّعَجُّبِ، قَالَ أَبُو ذؤيب:
فجاء بمزج لم يرى النَّاسُ مِثْلَهُ ... هُوَ الضَّحْكُ إِلَّا أَنَّهُ عَمَلُ النَّحْلِ